سوريا بين فكين..!
رياض الفرطوسي ||

لا يمثل سقوط نظام الأسد نهايةً للصراع، بل نقطة الانطلاق لتحويل الجغرافيا السورية إلى ساحة صدام مباشر تُعاد فيها صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط. طيلة نصف قرن، وفّر نظام الأسد (الأب والابن) لإسرائيل “عدواً مثالياً” يلتزم بتجميد الجبهة الشمالية وضمان قواعد اشتباك محددة. أما اليوم، فإن بزوغ “سوريا الجديدة” قد أطاح بهذه المعادلة تماماً، يضع الاستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة حتمية ومباشرة مع النفوذ التركي المتصاعد.
تتلخص معالم هذا التحول الاستراتيجي خطوة بخطوة في المحاور التالية:
عقيدة الحظر والاحتلال: ترتكز السياسة الإسرائيلية تجاه النظام الجديد على فرض واقع “سوريا بلا سلاح وبلا سيادة”. الاحتلال الميداني لعمق 45 كيلومتراً في الجولان وجبل الشيخ ليس تحركاً مؤقتاً، بل إرساء قسري لحزام أمني دائم يمنع دمشق من استعادة قرارها السيادي.
تفكيك الجبهة الداخلية: تتجاوز إسرائيل الضربات التكتيكية إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية والأمنية للداخل السوري، من خلال التدخل المباشر لحماية ورعاية طائفة الدروز، إلى جانب الاختراقات البرية والجوية المتكررة في ريف دمشق لمنع تشكل أي سلطة مركزية قوية.
صراع النفوذ الإقليمي: تُظهر كواليس الوساطة الأمريكية حقيقة المخاوف الإسرائيلية؛ إذ لا ترى تل أبيب في السلطة الجديدة بدمشق كينونة مستقلة، بل امتداداً جغرافياً وسياسياً لمشروع “العثمانية الجديدة” بزعامة أردوغان، وهو ما يُهدد التوازن الإقليمي الذي فرضته إسرائيل لسنوات.
الرسالة الإسرائيلية التي تجسدت في قصف مطار مهجور يبعد 70 كيلومتراً فقط عن الحدود التركية لا يمكن قراءتها إلا كخطوة ردع استباقية بعيدة المدى. الصدام الإقليمي بين المشروعين الإسرائيلي والتركي لم يعد مجرد تحليلات، بل واقعاً ميدانياً يُكتب بالكر والفر على الأرض السورية، ليضع الدولة الجديدة أمام اختبار البقاء في منتصف نيران القوى الكبرى.




