الأحد - 16 اغسطس 2026

غشاوة تجعل البعض يرى الخريطة ولا يسأل كيف رسمت؟!

منذ 3 ساعات
الأحد - 16 اغسطس 2026

محمد علي اللوزي ||

 

 

غشاوة تجعل البعض يرى الخريطة ولا يسأل كيف رسمت، ويرى الحدوددولا يسأل عن تاريخها، ويرى الاتفاق ولا يريد ان يعرف ما سبقه.

اما اليمن الذي يعرف قيمة ارضه وسيادته، فلا ينبغي له ان يخاف من الوثيقة، ولا من قراءة التاريخ، ولا من طرح الاسئلة الصعبة.
فالارض ليست مجرد مشاحة بالكيلومتر المربع، والسيادة ليست خطا مرسوما بالحبر، والوطن ليس رقما في جدول جغرافي.
الوطن ذاكرة وارض وقرار وسيادة.

ومن لا يريد ان يرى هذه الحقيقة، فليفتح الوثائق اولا، ثم يقرأ الخرائط، ثم يقارن التاريخ بالواقع، وبعد ذلك فقط فليحكم..

وللحقيقة فإن القضية لم تبدأ عام 2000، بل تعود الى عقود طويلة من التاريخ اليمني السعودي، والى ظروف سياسية وعسكرية واقتضادية معقدة، كان فيها ميزان القوة بين البلدين غير متكافئ. ومن هنا فان فهم النتيجة النهائية يقتضي العودة الى ما قبل معاهدة جدة، والى معاهدة الطائف عام 1934 وما تلاها من تفاهمات ومفاوضات وترتيبات حدودية.

والاكثر اثارة في هذا السياق هو الحديث المتكرر في مصادر وشهادات سياسية وتاريخية يمنية عن الدور الذي لعبه المال السعودي في صناعة النفوذ داخل اليمن.

فالسعودية لم تعتمد طوال تاريخ تدخلها في اليمن على القوة العسكرية وحدها. لقد استخدمت ايضا ادوات سياسية واجتماعية واقتصادية، من بينها تقديم الدعمن المالي لشخصيات قبلية وسياسية ووجاهات اجتماعية، وبناء شبكات من النفوذ داخل المجتمع اليمني، وهي سياسة تناولتها شهاداتودراسات عديدة عند الحديث عن علاقة الرياض بالنخب اليمنية خلال عقود مختلفة.

ولهذا ظل الحديث عن المال السعودي داخل اليمن حاضرا بقوة في الذاكرة السياسية اليمنية.  إن  اموالا كبيرة قد قدمت لشخصيات ووجاهات نافذة، وعن مساعدات ودعم مالي استهدف تثبيت ولاءات سياسية وقبلي  كل ذلك مقابل شراءالءمم ولولاءات او رشاوى سياسية.

وفي هذا السياق يطرح اسم نظام الرئيس علي عبدالله صالح كثيرا، باعتبار ان العلاقة بين الرياض وصنعاء خلال عهده لم تكن مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين، وانما كانت ايضا شبكة واسعة من المصالح والاتصالات والدعم المالي والسياسي.
ومن المهم هنا التمييز بين امرين وجود دعم وتمويل سعودي لشخصيات وقوىى يمنية، وهو امر تناولته مصادر وشهادات متعددة، وبين اثبات ان كل مبلغ دفع كان رشوة مباشرة .

والسؤال الذي يفرض نفسه، هل يمكن فهم التسويات التي انتهت اليها قضية الحدود بمعزل عن ميزان القوة السياسية والاقتصادية، وعن شبكة النفوذ التي بنتها السعودية داخل اليمن؟

وهنا تصبح المسألة اكثر تعقيدا من مجرد خط على الخريطة.
فالحدود لا ترسمها الخرائط وحدها. احيانا ترسمها ايضا موازين القوة، والازمات السيسية، وحاجة الانظمة الى الدعم، وعلاقات رجال السلطة بالقبائل والوجاهات، وقدرة الدولة الاقوى على التأثير في القرار داخل الدولة الاضعف.

ولهذا فان من يريد قراءة تاريخ الحدود اليمنية السعودية قراءة موضوعية لا يستطيع ان يتجاهل العامل السياسي والاجتماعي والمالي.

ولا ينبغي ايضا ان ينظر اليمني الى هذا التاريخ بغين الاستسلام او باعتباره قدرا لا يمكن مناقشته. فالسيادة ليست سلعة، والارض ليست منحة، والحدود ليست مجرد ارقام في اطلس جغرافي.

ان توقيع معاهدة جدة عام 2000 اغلق ملف النزاع الحدودي من الناحية القانونية بين الدولتين، ورسخ خطا حددوديا نهائيا، مستندا في جانب منه الى معاهدة الطائف وملاحقها والاتفاقات والتفاهمات التي جاءت بعدها. لكن اغلاق الملف قانونيا لا يعني ان الذاكرة الوطنية مطالبة باغلاق اسئلتها التاريخية.

بل على العكس.اذا كانت هناك ادعاءات عن مساحات واسعة خرجت من نطاق المطالبات اليمنية، فيجب ان تدرس خرائطها ووثائقها. واذا كانت هناك روايات عن اموال ضخمة دفعت لشخصيات سياسية وقبلية ووجاهات اجتماعية للتأثير في القرار اليمني، فيجب البحث عن وثائقها وسهاداتها ومقارنتها. واذا كان هناك من يقول ان نظام صالح وشخصيات نافذة في عهده استفادت من الدعم المالي السعودي، فالمطلوب فهم طبيعة المرحلةوفهم الواقع الذي كانت عليه اليمن.ذلم أن المشكلة ليست في ان نفتح هذه الملفات، بل في ان نخاف من فتحها.

من حق اليمنيين ان يعرفوا كيف رسمت حدود بلادهم، ومن جقهم ان يعرفوا طبيعة الاتفاقات التي وقعت باسمهم، ومن حقهم ان يسألوا عن دور المال والنفوذ الخارجي في صناعة القرار اليمني، ومن حقهم كذلك ان يعرفوا من استفاد ومن دفع ومن وقع ومن وافق، وما هي الظروف التي احاطتبكل مرحلة من مراحل التفاوض.

اما محاولة تصوير كل من يطرح هذه الاسئلة بانه يعيش في الماضي، او يريد اعادة فتح الحدود، فليست اجابة.ان الدولة التي تحترم نفسها هي التي تستطيع ان تنظر الى تاريخها بلا خوف.لقد كانت اليمن، وما زالت، بلدا ذا مساحة خغرافية وتاريخ سياسي اكبر مما تسمح به حالته الراهنة.

ومشكلة اليمن لم تكن في نقص الارض وحده، بل في ضعف الدولة، وتعدد مراكز النفوذ، وتدخل القوى الخارجية، وتحول جزءمن النخب السياسية والاجتماعية الى ادوات في صراعات اقليمية.
ولهذا فان الحديث عن المال السعودي لا ينبغي ان يتحول الى شتيمة للسعوديين كشعب، ولا الى عداء بين مجتمعين متجاورين.

القضية تتعلق بسياسات دولة، وبادوات نفوذ استخدمت عبر عقود، وبنخب يمنية قبلت بهذا النفوذ او استفادت منه.فالسيادة لا تستعاد بالكراهية، وانما باستعادة القرار الوطني.

والدرس الاهم من كل ذلك ان الوطن الذي يسمح للقوى الخارجية بشراء الولاءات داخله، يصبح عاجزاعن حماية قراره حتى لو بقيت حدوده مرسومة على الخريطة.

اما اليمن الذي يريد ان يستعيد استقلال قراره، فعليه ان يعي جيدا معاهدة الطائف، ومراحل النزاع الحدودي، ومذكرات التفاهم، ومعاهدة جدة، وشبكات النفوذ السياسي والقبلي والمالي، وكل ما احاط بها من ظروف.

وعندها فقط يمكن ان نفهم لماذا وصلت الامور الى ما وصلت اليه.
وفق هذا المنظور، فان الرقم 335954 كيلومترا مربعا، سواء ثبت بهذه الصيغة الحسابية بعد مراجعة الخرائط والوثائق او احتاج الى تصحيح، يجب الا يكون هو نهاية النقاش، بل بدايته.

لان السؤال الاكبر ليس كم كيلومترا تغيرت حدودها.السؤال هو: كيف حدث ذلك؟ ومن كان يملك القرار؟ ومن اثر في القرار؟ ومن دفع؟ ومن استفاد؟ ومن وقع؟ وهل كان القرار نابعا من ارادة وطنية مستقلة ام من موازين قوة ونفوذ ومال؟

هذه هي الاسئلة التي تستحق ان تفتح.
وهي جوهر الفهم للتحولات الجغراسياسية غي اليمن

الكاتب محمد علي اللوزي.