الأحد - 16 اغسطس 2026

المردود الحضاري لاحياء مناسبات اهل البيت (١) تعظيم القيم وتقليل الهدر: قانون الفعل الحضاري..!

الأحد - 16 اغسطس 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

 

 

ليست الحضارة ما يبنيه الإنسان من مدن ومصانع وطرق ومؤسسات فحسب، وليست ما يراكمه من ثروات وتقنيات ومعارف فقط، وإنما هي، في معناها الأعمق، عملية متواصلة لتحويل الإمكانات المتاحة للإنسان والمجتمع إلى قيم تجعل الحياة أكثر قدرة وكرامة وعدلًا ووفرة وجمالًا، وتقرب الإنسان من الغاية التي يمكن أن نجمعها في مفهوم الحياة الطيبة. ومن هنا تنظر الفلسفة الحضارية إلى الإنسان بوصفه كائنًا لا يعيش داخل واقع مكتمل، وإنما داخل عالم من الإمكانات التي يستطيع أن يحول بعضها إلى واقع أفضل، كما يستطيع أن يهدر بعضها الآخر، وأن الفرق بين المجتمع المتقدم والمجتمع المتخلف لا يكمن فقط في مقدار ما يمتلكه كل منهما من موارد، وإنما في قدرتهما المختلفة على تحويل ما يمتلكانه إلى قيمة.

فالإنسان نفسه إمكانية كبرى بما يمتلكه من عقل وإرادة ومواهب وقدرات جسدية ونفسية، والأرض بما تحتويه من موارد وموقع وبيئة إمكانية، والزمن إمكانية لا يمكن استردادها إذا ضاعت، والعلم إمكانية تتضاعف قدرتها كلما تحولت إلى معرفة منتجة، والعمل هو الوسيط الذي تنتقل به كثير من الإمكانات من القوة إلى الفعل. وإلى جانب ذلك كله توجد الموارد المادية، والطاقة النفسية، والعلاقات الاجتماعية، والثقة بين الناس، والاستعداد للتعاون، والقدرة على التنظيم، والمشاعر الجماعية التي تستطيع أن تحرك أعدادًا كبيرة من البشر باتجاه هدف مشترك. وكل هذه ليست قيمًا مكتملة بمجرد وجودها، وإنما هي إمكانات تنتظر الفعل الإنساني الذي يحولها إلى قيمة متحققة في الحياة.

ومن هنا يمكن فهم الحركة الحضارية باعتبارها عملية تحويل مستمرة: تحويل الإنسان من إمكانية كامنة إلى قدرة فاعلة، وتحويل الأرض من مورد خام إلى عمران وإنتاج، وتحويل الزمن من مرور للأيام والسنوات إلى إنجاز متراكم، وتحويل العلم من معلومات محفوظة إلى قدرة على فهم العالم وتغييره، وتحويل العمل من جهد مبذول إلى إنتاج نافع، وتحويل العلاقات بين الناس من مجرد تعايش إلى تعاون وثقة وتكافل ومؤسسات. وكلما ارتفعت قدرة المجتمع على إجراء هذه التحويلات ارتفع مستواه الحضاري، وكلما تعطلت هذه العملية بقيت الإمكانات كامنة أو تبددت، حتى لو كان المجتمع غنيًا بالموارد أو كبيرًا في عدد السكان أو عريقًا في تاريخه.

وعلى هذا الأساس تطرح الفلسفة الحضارية قانونًا عامًا يمكن أن يكون معيارًا للنظر في مختلف أفعال الإنسان والمجتمع، هو قانون تعظيم القيم وتقليل الهدر. والمقصود بتعظيم القيم أن يسعى الإنسان والمجتمع إلى الحصول من إمكاناتهما ومواردهما وأفعالهما على أكبر مقدار ممكن من القيمة، وأن يسعيا، في الوقت نفسه، إلى تقليل ما يضيع من هذه الإمكانات من غير أن يتحول إلى قيمة. وهذان الاتجاهان متلازمان؛ لأن الحضارة لا تتقدم بمجرد زيادة الموارد، وإنما بزيادة كفاءة تحويل الموارد والإمكانات والطاقات إلى حياة أفضل.

ولا أقصد بالقيمة هنا معناها الاقتصادي وحده، ولا أقصرها على المال والثروة والإنتاج المادي، كما لا أقصرها على القيم الأخلاقية بالمعنى التقليدي. فمفهوم القيمة في الفلسفة الحضارية أوسع من ذلك كله. العلم قيمة، والعدل قيمة، والحرية قيمة، والكرامة الإنسانية قيمة، والصحة قيمة، والأمن قيمة، والعمل والإنتاج قيمتان، والنظام قيمة، والنظافة والجمال قيمتان، والثقة بين الناس قيمة، والتعاون والتكافل والإيثار قيم، كما أن الصدق والأمانة والرحمة وضبط النفس والارتقاء الروحي والأخلاقي قيم. بل إن المؤسسة الجيدة قيمة، والقانون العادل قيمة، والمدينة الصالحة للحياة قيمة، والتعليم الجيد قيمة، والوقت الذي يتحول إلى إنجاز قيمة، والمعرفة التي تتحول إلى حل لمشكلة إنسانية قيمة.

وبهذا المعنى لا تكون القيمة شيئًا واحدًا، وإنما شبكة واسعة من المكاسب الإنسانية والمادية والمعنوية التي تجعل حياة الإنسان أفضل. ولا يمكن اختزال الحياة الطيبة في الوفرة المادية وحدها، كما لا يمكن بناؤها بالوعظ الأخلاقي وحده؛ فالإنسان يحتاج إلى الخبز والحرية، وإلى الصحة والكرامة، وإلى العلم والروح، وإلى الأمن والعدل، وإلى الإنتاج والجمال، وإلى إشباع حاجاته المادية والارتقاء بحياته المعنوية. والحضارة القادرة على الجمع بين هذه الأبعاد هي الأقدر على إنتاج الحياة الطيبة.

وفي الجهة المقابلة تقف ظاهرة الهدر، وهي من أخطر الظواهر التي يمكن من خلالها فهم تخلف المجتمعات. والهدر في الاستعمال اليومي يقترن غالبًا بالمال؛ فنقول إن المال أُهدر أو إن الموارد أُهدرت. لكن مفهوم الهدر الحضاري أوسع بكثير. فكل إمكانية متاحة كان يمكن تحويلها إلى قيمة ثم ضاعت من غير أن تحقق القيمة الممكنة منها تمثل شكلًا من أشكال الهدر.

حين يعيش إنسان يمتلك موهبة ولا يحصل على التعليم الذي ينميها، فنحن أمام هدر للقدرة الإنسانية. وحين يتخرج شاب متخصص ثم لا يجد مجالًا يوظف فيه علمه، فنحن أمام هدر للعلم والزمن والمال والقدرة البشرية معًا. وحين تمتلك دولة ثروة طبيعية هائلة وتنفق عائداتها في الاستهلاك بدل تحويلها إلى إنتاج وتنمية ومعرفة وبنية تحتية، فنحن أمام هدر للثروة وللفرصة التاريخية في الوقت نفسه. وحين تعمل مؤسسة بأعداد كبيرة من الموظفين من دون أن تنتج خدمة تتناسب مع مواردها، فهناك هدر للعمل والزمن والمال. وحين يقضي مجتمع ساعات لا تحصى في أعمال لا تضيف شيئًا إلى حياته بينما تتراكم أمامه المشكلات، فإن الزمن نفسه يصبح موردًا مهدورًا.

لكن الهدر لا يقتصر حتى على هذه الأشياء الملموسة. فقد تهدر المجتمعات الثقة حين ينتشر الكذب والفساد والخداع، فتزداد كلفة كل معاملة لأن الناس لا يثق بعضهم ببعض. وقد تهدر روح التعاون حين تتحول الجماعات إلى كيانات متصارعة. وقد تهدر الخبرة حين لا تنقلها الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة، فيضطر كل جيل إلى البدء من جديد. وقد تهدر الفرصة التاريخية حين تتوافر للمجتمع لحظة مناسبة للإصلاح فلا يحسن استخدامها. وقد تهدر المشاعر الإنسانية نفسها عندما تستثار طاقات عاطفية هائلة ثم تنطفئ من دون أن تتحول إلى سلوك أو مؤسسة أو قيمة باقية.

ومن هنا تظهر العلاقة العميقة بين تعظيم القيمة وتقليل الهدر. فهما ليسا شعارين منفصلين، وإنما وجهان لقانون واحد. لأن كل هدر هو، في جوهره، قيمة ممكنة لم تتحقق، وكل تقليل للهدر يحرر إمكانية جديدة لإنتاج القيمة. وحين نمنع هدر ساعة من حياة الإنسان لا نكون قد حفظنا الساعة فقط، وإنما أتحنا إمكانية تحويلها إلى علم أو عمل أو راحة نافعة أو تواصل إنساني أو إنتاج.

وحين نحمي المال العام من الفساد لا نحفظ أرقامًا في الموازنة فحسب، وإنما نحفظ مدارس ومستشفيات وطرقًا وفرص عمل وحياة كان يمكن لذلك المال أن ينتجها. ولهذا فإن الهدر ليس مجرد خسارة لما ضاع، وإنما خسارة لما كان يمكن أن يولد منه أيضًا.

وبهذا يصبح السؤال الحضاري الذي ينبغي أن نوجهه إلى أفعالنا الفردية والجماعية ومؤسساتنا وسياساتنا ومشروعاتنا هو: ما مقدار القيمة التي ننتجها من الإمكانات التي نمتلكها، وما مقدار ما نهدره منها؟ وليس معنى ذلك إخضاع الحياة الإنسانية كلها لحساب نفعي مادي بارد؛ فالحب قيمة، والرحمة قيمة، والفرح قيمة، والحزن الإنساني الصادق قيمة، والعبادة قيمة، والسكينة الروحية قيمة، والانتماء والذاكرة والوفاء قيم أيضًا. إنما المقصود أن نسأل كيف تستطيع هذه القيم نفسها أن تثري حياة الإنسان بدل أن تبقى طاقات معزولة عن بقية حياته.

وهنا نصل إلى مجال بالغ الأهمية في حياة مجتمعاتنا، هو المجال الديني والشعائري. فالشعائر والمناسبات الدينية، وبخاصة مناسبات أهل البيت في المجتمع الشيعي، ليست أحداثًا هامشية في حياة الناس. إنها تحرك ملايين البشر، وتستدعي مقادير هائلة من الزمن والمال والجهد، وتوقظ مشاعر عميقة من الحب والولاء والحزن والفرح، وتنتج مستويات استثنائية من التطوع والبذل والتعاون والتكافل، وتستطيع في أيام محدودة أن تحشد من الطاقة الاجتماعية ما قد تعجز مؤسسات كثيرة عن حشده طوال العام.

وهذه الحقيقة ينبغي ألا تقودنا إلى موقف سلبي من الشعائر، وإنما إلى العكس تمامًا. فإذا كانت الشعائر تمتلك هذه القدرة الهائلة على تحريك الإنسان والمجتمع، فإنها تمثل ثروة حضارية كامنة ينبغي التفكير في كيفية تعظيم قيمتها. والسؤال هنا ليس: هل نحيي مناسبات أهل البيت أم لا؟ وليس: هل نقلل من حضورها في حياتنا؟ وإنما السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: كيف نحصل من هذه الطاقة الروحية والعاطفية والاجتماعية الهائلة على أكبر مقدار ممكن من القيمة، وكيف نقلل ما يمكن أن يصاحبها من هدر؟

فالملايين التي تتحرك يمكن أن تنتج قيمة، والأموال التي تنفق يمكن أن تنتج قيمة، والساعات والأيام التي تخصص لهذه المناسبات يمكن أن تنتج قيمة، ومشاعر الحب والولاء يمكن أن تنتج قيمة، والاستعداد المذهل للتطوع والخدمة والتضحية يمكن أن ينتج قيمة. والتحدي الحضاري ليس في إضعاف هذه الطاقة، وإنما في حسن توجيهها بحيث لا تنتهي بانتهاء المناسبة، ولا تنطفئ بانطفاء الأضواء وعودة الناس إلى بيوتهم، بل تترك وراءها إنسانًا أفضل ومجتمعًا أفضل.

ومن هنا أقترح أن ننظر إلى الشعائر من خلال القانون نفسه الذي ننظر به إلى سائر مجالات الفعل الحضاري: تعظيم القيم وتقليل الهدر. ليس بوصفه معيارًا خارجيًا نفرضه على الشعيرة، وإنما بوصفه وسيلة لتعظيم قدرتها على تحقيق الغايات والقيم التي قامت من أجلها واستمدت معناها منها.

وهذا يقود إلى سؤال آخر سيكون موضوع المقال التالي: إذا كنا نريد تعظيم القيمة في شعائر أهل البيت، فما القيم التي نريد تعظيمها؟ وهل يمكن أن تتحول ذكرى كل إمام من مجرد إحياء لحدث مضى إلى موسم لإحياء القيمة التي جسدها ذلك الإمام في حياته وموقفه؟

من هنا ننتقل من إحياء الذكرى إلى إحياء القيمة.