الجمعة - 14 اغسطس 2026

الدخول في  إختبار القدرة على تغيير أوضاع العراق..!

منذ ساعتين
الجمعة - 14 اغسطس 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

ثير الشرع

 

بعد مرور نحو تسعون يوماً على تسلّم السيد علي فالح الزيدي رئاسة مجلس الوزراء، تبدو التجربة الحكومية الجديدة أمام مرحلة مختلفة عن الحكومات العراقية السابقة؛ ليس لأن جميع المشكلات حُلّت، بل لأن الملفات التي فتحها الزيدي منذ يومه الأول تمسّ جوهر الدولة العراقية: (المال، الفساد، السلاح، السيادة، العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران، وتنويع الاقتصاد) والحكم على أول ثلاثة أشهر لا ينبغي أن يكون بعدد القرارات والإجتماعات، وإنما بمدى إنتقال الحكومة من التشخيص إلى التنفيذ.

البداية كانت مختلفة، حيث حصلت حكومة الزيدي على ثقة مجلس النواب في 14 أيار، وصوّت البرلمان على المنهاج الوزاري، فيما أدّى رئيس الوزراء وأعضاء حكومته اليمين الدستورية،

لكن الحكومة بدأت عملها بتركيبة غير مكتملة؛ إذ مُنحت الثقة لـ14 وزيرًا فقط من أصل 23 وزارة مقترحة، وهو ما شكّل منذ البداية نقطة ضعف سياسية ومؤسساتية، وفي 16 أيار، تسلّم الزيدي مهامه رسميًا، وترأس أول جلسة لمجلس الوزراء، واضعًا منذ البداية مجموعة من الملفات في مقدمة أولويات حكومته، أبرزها الإصلاح الإقتصادي والمالي، الكهرباء، مكافحة الفساد، التحول الرقمي، وتفعيل الضمان الصحي.

اللافت أن الزيدي لم يبدأ من ملف الخدمات فقط، وإنما حاول إعادة تعريف وظيفة الحكومة من خلال الحديث عن دولة أكثر قدرة على إدارة المال والإقتصاد والأمن والسيادة، فالإقتصاد والمال أول إختبار حقيقي، ومن أبرز خطوات الحكومة خلال أيامها الأولى تأسيس مجلس الإستقرار المالي، الذي يضم وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، بهدف تحقيق قدر أكبر من التنسيق بين السياستين المالية و النقدية، وهذه الخطوة مهمة لأن المشكلة العراقية ليست مجرد نقص في الأموال، وإنما مشكلة في هيكل الإقتصاد نفسه، بسبب الإعتماد المفرط على النفط، مع تضخم الإنفاق الجاري، وكتلة رواتب كبيرة، وضعف القطاعات الإنتاجية.

الزيدي طرح منذ البداية تصورًا يقوم على أن وزارة النفط يجب ألا تكون مجرد وزارة لبيع النفط الخام، بل أداة لتطوير القيمة المضافة وزيادة الإنتاج والتصدير، بالتوازي مع تنشيط الصناعة والزراعة والسياحة والإستثمار،

لكن! هنا يجب أن نكون دقيقين فتأسيس مجلس الإستقرار المالي وإطلاق برامج الإصلاح لا يعني أن الأزمة المالية حُلّت؛ فهذا لا يزال في مرحلة بناء الأدوات والمؤسسات التي يفترض أن تقود إلى الإصلاح.

ربما كان ملف مكافحة الفساد هو أكثر الملفات إثارة للإنتباه خلال الأشهر الأولى من حكومة الزيدي، فقد أعلنت السلطات إعتقال 47 شخصًا في إطار حملة لملاحقة متهمين بملفات فساد، بينهم مسؤولون ونواب، فيما أعلن الزيدي أن الحملة ليست سوى مرحلة أولى؛ سياسيًا حملت هذه الخطوة رسالة واضحة، مفادها بأن الحكومة تريد أن تقول إن مكافحة الفساد لن تبقى شعارًا في البرنامج الوزاري، لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المعتقلين، وإنما بما سيحدث بعد الإعتقال، فهل ستصل الملفات إلى القضاء؟ هل ستسترد الأموال؟ هل ستتم محاسبة أصحاب النفوذ مهما كانت مواقعهم؟ وهل تستطيع الحكومة الوصول إلى شبكات الفساد الكبيرة التي تمتد داخل مؤسسات الدولة؟

ولهذا فإن ملف الفساد سيبقى أحد أهم المؤشرات التي سيُقاس بها الزيدي في نهاية المئة يوم، أي بعد عشرة أيام تقريباً وليس في بدايتها فقط؛ إذا كان الفساد يمثل الإختبار الداخلي، فإن السلاح يمثل الإختبار الأخطر لهيبة الدولة؛

الزيدي جعل حصر السلاح بيد الدولة جزءًا أساسيًا من برنامجه الحكومي، ثم إتخذ خطوة أكثر وضوحًا عندما حدد 30 أيلول 2026 موعدًا نهائيًا لملف السلاح خارج إطار الدولة، بالتزامن مع إنتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق وفي 13 آب الجاري، ذهب الزيدي إلى خطاب أكثر تشددًا، عندما تحدث عن أن الخيارات بعد إنتهاء المهلة ستكون مرتبطة بتسليم السلاح أو المواجهة، وهنا تكمن أهمية تجربة الزيدي.

الزيدي لم يعد يتحدث عن مبدأ حصر السلاح فقط، بل نقل القضية إلى مستوى الموعد والآلية والإختبار السياسي والأمني، لكن حتى الآن لا يمكن القول إن الحكومة حققت إنجازًا نهائيًا في هذا الملف؛ لأن الإختبار الحقيقي يبدأ بعد 30 أيلول القادم، عندما يتضح من سيسلّم سلاحه، ومن سيرفض، وكيف ستتعامل الدولة مع الرافضين.

من أبرز التحولات في الأشهر الثلاثة الأولى لحكومة الزيدي إعادة صياغة العلاقة العراقية ـ الأميركية، فزيارة الزيدي إلى واشنطن في تموز الماضي لم تكن زيارة سياسية تقليدية، بل حاولت الحكومة تقديم العراق بوصفه شريكًا إقتصادياً وإستثمارياً، وخلال الزيارة أُعلن عن توقيع 48 إتفاقًا ومذكرة تفاهم وتعاون وشراكة بين العراق والولايات المتحدة في قطاعات مختلفة، وبقيمة معلنة تقارب 60 مليار دولار، وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا: إذا نجحت الحكومة في تحويل هذه المذكرات من أوراق سياسية إلى مشاريع فعلية، فإن ذلك يمكن أن يصبح أحد أكبر إنجازات حكومة الزيدي، أما إذا بقيت مجرد مذكرات تفاهم، فإنها ستتحول إلى إنجاز إعلامي أكثر منه إقتصادي.

السؤال الأهم الذي نطرحه اليوم هو : ليس كم إتفاقية وقع الزيدي؟ بل كم مشروع سيبدأ العمل به فعلًا؟ وكم وظيفة ستوفر؟ وكم دولارًا سيدخل إلى الإقتصاد العراقي؟

أحد أهم ملامح البرنامج الحكومي هو محاولة الإنتقال من إقتصاد يعتمد على بيع النفط الخام إلى إقتصاد يستفيد من النفط في الصناعة والطاقة والبتروكيمياويات والقيمة المضافة، وهذه نقطة جوهرية؛ لأن إستمرار إعتماد العراق على النفط يجعل أي إنخفاض في الأسعار أو إضطراب في الصادرات تهديدًا مباشرًا للموازنة؛ لهذا فإن الحديث عن الإستثمار في الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة يمثل محاولة لبناء مصادر دخل جديدة، لكنه يحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجه؛ وبعبارة أخرى الزيدي بدأ وضع الأساس، لكنه لم يبنِ البيت بعد.

الملف الآخر الذي سيحكم عليه المواطن خلال المرحلة المقبلة هو ملف الكهرباء، وفي أول جلسة لمجلس الوزراء، وجّه الزيدي بإعداد حلول عاجلة للكهرباء في الصيف، بالتوازي مع خطة بعيدة المدى لمعالجة الشبكة الكهربائية، وهذا مهم، لأن المواطن لا يقيس الحكومة بالمؤتمرات والإتفاقيات الدولية، وإنما يسأل: هل تحسنت الكهرباء؟
هل إنخفضت البطالة؟
هل تحسنت الخدمات؟
هل تراجعت الأسعار؟
هل أصبحت الدولة أكثر عدالة؟
ولهذا فإن أي تقييم للمئة يوم لا يمكن أن يتجاهل أن الخدمات هي الإختبار الشعبي المباشر للحكومة.

وربما يكون أهم ما ميّز الأشهر الأولى للزيدي أنه حاول إدارة العراق بين محورين متصارعين: الولايات المتحدة وإيران، فمن جهة، ذهب إلى واشنطن وأبرم إتفاقات إقتصادية واسعة، وتحدث بوضوح عن حصر السلاح بيد الدولة ومن جهة أخرى، حافظ على قنوات الإتصال مع إيران، في محاولة لتجنب تحويل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الطرفين، وهذه السياسة ليست سهلة؛ فالولايات المتحدة تريد عراقًا أكثر إستقلالًا عن الفصائل المسلحة والنفوذ الإيراني، بينما ترى طهران أن العراق يمثل عمقًا إستراتيجيًا وسياسيًا وأمنيًا مهمًا لها، ومن هنا يمكن القول إن الزيدي يحاول تأسيس سياسة عراقية تقوم على المصالح لا على الإصطفافات، لكن نجاح هذه السياسة سيتوقف على قدرة بغداد على المحافظة على علاقاتها مع واشنطن وطهران في الوقت نفسه، من دون أن يتحول العراق إلى تابع لأي منهما.

إذا أردنا وضع تقييم أولي بعيدًا عن المبالغة الحكومية أو المعارضة السياسية، يمكن تقسيم المنجزات إلى ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: إنجازات بدأت فعليًا:

♦️تأسيس مجلس الإستقرار المالي.
♦️إطلاق حملة أكثر وضوحًا ضد الفساد وإعتقال مايقرب ١٥٠ متهمًا في مرحلتها الأولى.
♦️وضع حصر السلاح بيد الدولة في صلب البرنامج الحكومي.
♦️تحديد 30 أيلول محطة نهائية لملف السلاح خارج الدولة.
♦️فتح مسار إقتصادي واسع مع الولايات المتحدة.
♦️توقيع 48 إتفاقًا ومذكرة تفاهم وشراكة.
♦️طرح برنامج لتنويع الإقتصاد بعيدًا عن النفط.
♦️وضع الكهرباء والتحول الرقمي والضمان الصحي ضمن أولويات العمل الحكومي.

المستوى الثاني: ملفات بدأت ولم تحقق نتائج نهائية بعد:

♦️الإصلاح المالي.
♦️تنويع الاقتصاد.
♦️مكافحة الفساد.
♦️إصلاح القطاع المصرفي.
♦️تحسين الكهرباء.
♦️جذب الاستثمارات.
♦️حصر السلاح.

المستوى الثالث والأخير: ملفات ما زالت تمثل إختبارًا كبيرًا للحكومة:

♦️إستكمال تشكيل الحكومة.
♦️قدرة الدولة على فرض قرارها الأمني.
♦️تنفيذ إتفاقات واشنطن.
♦️معالجة الأزمة المالية.
♦️خلق فرص عمل حقيقية.
♦️تحديد العلاقة المستقبلية مع الفصائل المسلحة.
♦️إدارة العلاقة مع إيران والولايات المتحدة من دون خسارة أحد الطرفين.

إذا أردنا أن نكون منصفين، فإن حكومة علي فالح الزيدي لا يمكن وصفها بعد بأنها حكومة حققت تحولًا تأريخيًا في العراق؛ فالمدة قصيرة، ومعظم الملفات التي فتحتها تحتاج إلى سنوات؛ لكن يمكن القول إنها خلال ثلاثة أشهر غيّرت أجندة النقاش السياسي العراقي.

فبعد سنوات كان الحديث فيها يتركز على تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب، أصبح النقاش يدور حول:
من يملك السلاح؟
من يدير المال؟
كيف يُواجه الفساد؟
كيف يتحول العراق من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج؟
كيف تكون العلاقة مع واشنطن؟
كيف يحافظ العراق على علاقته بإيران من دون أن يكون تابعًا لها؟
وكيف تتحول الإتفاقات الإقتصادية إلى مشاريع حقيقية؟
وهنا تحديدًا تكمن قيمة التسعون يوماً؛ فالزيدي لم يحقق بعد النتائج النهائية، لكنه وضع نفسه أمام ثلاثة إختبارات كبرى:
🔴الإختبار الأول: 30 أيلول وملف السلاح.
🔴الإختبار الثاني: تحويل 48 إتفاقًا ومذكرة تفاهم إلى إستثمارات ومشاريع وفرص عمل.
🔴الإختبار الثالث: إثبات أن مكافحة الفساد يمكن أن تصل إلى مراكز النفوذ، لا أن تتوقف عند الحلقة الأضعف، وإذا نجح في هذه الإختبارات، فإن المئة يوم الأولى ستُذكر بإعتبارها بداية لإعادة بناء الدولة العراقية، أما إذا بقيت القرارات في مستوى البيانات والإجتماعات والمذكرات، فإن المئة يوم ستتحول إلى مجرد مرحلة أخرى من الوعود التي عرفها العراقيون كثيرًا.

لذلك، فإن الحكم الحقيقي على حكومة الزيدي لن يكون في 24 آب فقط، بل سيبدأ من اليوم التالي، فالمئة يوم الأولى لا تصنع حكومة ناجحة لكنها تكشف إتجاهها.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع