الثلاثاء - 28 يوليو 2026
الثلاثاء - 28 يوليو 2026

✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

 

 

 

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتكشف معادلة جديدة عنوانها أن اليمن لم يعد مجرد ساحة يتلقى الضربات أو ينتظر ما يُفرض عليه،
لكنه أصبح طرفًا حاضرًا في معادلات المنطقة، يمتلك قراره ويؤثر في مسارات الأحداث وفق ما يعلنه القادة والقوات
المسلحة.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي لتؤكد أن “أنصار الله” في اليمن يتخذون قراراتهم بصورة مستقلة، وأنهم هم من يحددون مواقفهم في الوقت الذي يرونه مناسبًا.

ومهما اختلفت القراءات السياسية لهذه التصريحات، فإنها تعكس إقرارًا بأن القرار اليمني ليس قرارًا يُدار من الخارج، إنما ينبع من حسابات يمنية مرتبطة بالواقع الميداني والسياسي.

وفي المقابل، ترامب إعادة إنتاج خطاب القوة، متحدثًا عن أنه “دمر الحوثيين” في السابق، ومهددًا بتكرار التدخل إذا اقتضت الظروف.

غير أن مثل هذه التصريحات تصطدم، بحسب منتقديها، بواقع مختلف؛ إذ يرون أن سنوات العمليات العسكرية لم تنهِ اليمن وأنصار الله ، وأن استمرارهم في تنفيذ عمليات عسكرية وإعلانهم عن تطوير قدراتهم يجعل خطاب “الحسم” موضع تساؤل، ويُظهر أن القوة العسكرية وحدها لم تحقق الأهداف التي أعلنتها واشنطن وحلفاؤها.

أما الرسالة الصادرة باسم “المقاومة الإسلامية في العراق”فهي تعكس بدورها اتساع دائرة التوتر الإقليمي، وتحمل تحذيرات للسعودية، وتربط بين استمرار الحصار على اليمن وبين احتمالات اتساع المواجهة.

وهي رسالة تؤكد أن أي تصعيد جديد قد لا يبقى محصورًا في جغرافيا واحدة، فقد يمتد ليشمل أطرافًا متعددة.

وفي الداخل اليمني، يرى عضو المجلس السياسي محمد علي الحوثي أن سنوات العدوان والحصار لم تُفضِ إلى إضعاف اليمن، لكن إلى استمرار عمليات التطوير العسكري وتعزيز القدرة على الصمود، معتبرًا أن طول أمد الصراع لم يحقق للأطراف المقابلة ما كانت تطمح إليه، وأن مسار المواجهة غيّر موازين القوة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تتحدث تقارير صحفية دولية عن انعكاسات التوتر في البحر الأحمر على حركة الملاحة وتكاليف نقل النفط، مشيرة إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وإعادة ترتيب بعض مسارات التصدير، وسط مخاوف من تأثير ذلك على أسواق الطاقة العالمية إذا استمر التصعيد.

كما تتناول تلك التقارير احتمالات زيادة مدة الرحلات البحرية وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وما قد يرافق ذلك من ضغوط على الأسواق العالمية.

إن المشهد الراهن يؤكد أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل سنوات.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحروب الطويلة لا تُحسم بالشعارات، وأن الوقائع على الأرض هي التي ترسم معادلات السياسة.

ولذلك، فإن أي قراءة للمشهد الحالي لا بد أن تنطلق من حقيقة أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة، تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتداخل فيها الرسائل السياسية مع الوقائع الميدانية.

ويبقى المستقبل مرهونًا بقدرة السعودية على تجنب مزيد من التصعيد، لأن استمرار الصراع لا يعني فقط إطالة أمد المعاناة الإنسانية للشعب اليمني، إنما يفتح الباب أمام اضطرابات أوسع قد تمتد آثارها إلى المنطقة والعالم بأسره، وقد اعذر من أنذر.