حرب المضائق… كيف فرضت اليمن معادلة الحصار بالحصار؟!
د. أحلام الصوفي ||

لم يعد البحر الأحمر مجرد مساحة مائية تفصل بين اليابسة، ولا باب المندب مجرد ممر تعبره السفن نحو الأسواق العالمية، بل أصبحا اليوم ساحة تُعاد فيها صياغة موازين القوة الإقليمية والدولية. فالمواجهة التي بدأت بحصار اليمن ومحاولة إخضاعه اقتصاديًا وعسكريًا تحولت مع مرور السنوات إلى معركة معاكسة، انتقلت فيها أدوات الضغط من طرف إلى آخر، لتبرز معادلة جديدة عنوانها الحصار بالحصار، بعدما باتت الممرات البحرية نفسها إحدى أهم أوراق الردع والتأثير في الصراع.
ولسنوات طويلة، راهنت السعودية على أن الحصار البحري والجوي سيبقى الوسيلة الأكثر فاعلية لإضعاف اليمن، وأن السيطرة على المنافذ والممرات كفيلة بفرض إرادتها السياسية والعسكرية. غير أن تطورات الميدان أظهرت أن الحروب لا تسير دائمًا وفق حسابات من يبدأها، وأن الطرف الذي يتعرض للحصار يستطيع، مع مرور الوقت، أن يبحث عن أدوات تعيد التوازن وتقلب قواعد الاشتباك.
وفي هذا السياق، لم تعد العمليات البحرية مجرد أحداث عسكرية متفرقة، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف فرض كلفة متزايدة على استمرار الحرب. وكان استهداف إحدى السفن في البحر الأحمر اليوم حلقة جديدة في هذا المسار، ورسالة بأن الممرات البحرية لم تعد مناطق آمنة بمعزل عن تداعيات الصراع، وأن أي تصعيد ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة الملاحة والتجارة الدولية.
وتكمن خطورة هذه المعادلة في أن السعودية أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على البحر الأحمر لتأمين جزء مهم من صادراتها النفطية وحركة تجارتها، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في هذا الممر الحيوي يحمل أبعادًا اقتصادية تتجاوز حدود العمليات العسكرية. كما أن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتردد بعض شركات الملاحة في العبور، يضيفان أعباءً جديدة على اقتصاد المنطقة، ويجعلان استمرار المواجهة أكثر كلفة من أي وقت مضى.
ولا يقتصر تأثير هذه التطورات على السعودية وحدها، بل يمتد إلى الدول الغربية التي وجدت نفسها مضطرة إلى تكثيف وجودها العسكري في البحر الأحمر لحماية خطوط الملاحة. غير أن هذا الانتشار المستمر يحمل بدوره كلفة مالية وعسكرية وسياسية متصاعدة، في وقت تواجه فيه تلك الدول تحديات اقتصادية داخلية وأزمات دولية متشابكة، الأمر الذي يحول البحر الأحمر إلى ساحة استنزاف مفتوحة أكثر من كونه ساحة حسم سريع.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب الحديثة لا تُحسم دائمًا بالقوة النارية أو التفوق العسكري، وإنما بقدرة كل طرف على استنزاف خصمه وإجباره على دفع أثمان متراكمة تفوق المكاسب التي يسعى إلى تحقيقها. ومن هنا، تبدو معادلة الحصار بالحصار تحولًا استراتيجيًا يعكس انتقال الصراع من محاولة السيطرة على الأرض إلى التأثير في الاقتصاد والتجارة والممرات الحيوية.
واليوم، لم يعد السؤال المطروح هو من يمتلك أكبر الأساطيل أو أحدث منظومات التسليح، بل من يستطيع الاستمرار في تحمل فاتورة الاستنزاف إذا طال أمد الصراع. فالتاريخ يثبت أن القوى الكبرى لا تفقد نفوذها بالضرورة في معركة فاصلة، وإنما عندما تصبح كلفة الحفاظ على ذلك النفوذ أكبر من العائد السياسي والاقتصادي الذي تحققه.
وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن البحر الأحمر وباب المندب دخلا مرحلة جديدة ستظل فيها الممرات البحرية واحدة من أهم أوراق
القوة في الصراعات الدولية. ومع استمرار التصعيد، فإن معادلة الحصار بالحصار مرشحة لأن تصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل المواجهة، ليس على مستوى الإقليم فحسب، بل على مستوى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية بأكملها.
#ملتقى-رائدات -الفكر-الحر


