الاثنين - 27 يوليو 2026

خرائط القوى الكبرى الحلقة الثالثة: العبء الثقيل ووهم النفوذ المطلق..!

منذ 3 ساعات
الاثنين - 27 يوليو 2026

 رياض الفرطوسي ||

 

 رياض الفرطوسي

 

من السطحية بمكان أن نختزل الصراع في الشرق الأوسط في حدود قضية جغرافية واحدة، أو نعتبرها مجرد نزاع حدودي عابر. من يقرأ الاستراتيجيات الدولية بعين المحلل المتفحص، يدرك أن فلسطين اليوم تحولت إلى النقطة التي تتكثف فيها خطوط الصدع العالمية. لقد تجاوزت إسرائيل كونها أزمة لجيرانها، لتصبح ( وفق حسابات الكلفة والعائد السيادي ) مشكلة حقيقية لكل دولة في المنطقة تطمح إلى بناء استقلال استراتيجي حقيقي.

في لقاءات وحوارات مغلقة شهدتها أروقة صناعة القرار في واشنطن مع محللين من معاهد فكرية بارزة، لم يعد الحديث عن إسرائيل يدور بوصفها “أصلاً استراتيجياً” لا يمكن الاستغناء عنه، بل جرى نقاش علني وصادم حول تحولها إلى “عبء استراتيجي” (Strategic Liability).

هذا العبء يهدد المصالح الأمريكية طويلة المدى في العالم الإسلامي، ويستنزف القوة الأخلاقية والدبلوماسية لواشنطن في المحافل الدولية. المفارقة التاريخية المعقدة هنا، هي أن صانع القرار الأمريكي يجد نفسه أحياناً أسيراً لآليات ضغط داخلي ولوبيات راسخة، تمنعه من إجراء أي استدارة تصحح هذا المسار الذي يضر بأمريكا نفسها.

الأخطر في هذا المشهد هو حالة “العمى الاستراتيجي” الناتجة عن غرور القوة المفرط. بتبني سياسات العنف المفتوح والعنصرية المكشوفة، لا تعيد إسرائيل تأليب الشعوب ضدها فحسب، بل إنها تنسف السردية الغربية بأكملها، وتوقظ في الوعي الجمعي العالمي ذاكرة الاستعمار القديم وفظائعه. إسرائيل، التي أُريد لها تاريخياً أن تكون جسراً ثقافياً وسياسياً للغرب نحو الشرق، تحولت في الوعي الجديد للأجيال الصاعدة إلى رمز صارخ للاستبداد الدولي.

لكن التحول الجيوسياسي الأهم، والذي ترصده التقارير الاستخباراتية والفكرية بحذر، هو كيف تدفع هذه الغطرسة غير المنضبطة القوى الإقليمية الكبرى نحو مراجعة حساباتها التقليدية. الخطر الوجودي أصبح عابراً للأيديولوجيات؛ فتركيا التي سعت طويلاً لتوازنات معينة، باتت ترى في التمدد الإسرائيلي تهديداً مباشراً لمجالها الحيوي.

وباكستان، بثقلها النووي والجيوسياسي، لم تعد بمعزل عن التساؤل حول مآلات هذا الجنون العسكري. وحتى إيران، ورغم كل ملفات الخلاف العميقة والمعقدة مع محيطها العربي، تجد أن نقاط التقاطع الإلزامية تفرض نفسها في مواجهة هذا المشروع التوسعي.

إننا أمام مشهد يُجبر الخصوم التاريخيين على إعادة قراءة التهديدات بشكل مغاير.

في الحلقة القادمة، سننتقل من تشخيص الخطر إلى صناعة البديل: كيف يمكن لهذه المنطقة، المثقلة بالجراح والتشرذم، أن تصنع قطبها الخاص وتتحول من رقعة شطرنج يتقاسمها الكبار إلى لاعب يفرض شروطه على طاولة العالم القادم؟