صدمة على متن الحافلة..!
الكاتب اسعد عبد الله عبد علي ||
الاثنين 27 تموز 2026
العراق – بغداد – باب المعظم

عبر الباب المتهالك لحافلة “الريم” السبعينية، التي تحولت في زمن الحصار إلى محراب مقدّس يهرول نحوه المتعبون، تسلل وسط زحام الأنفاس واللهاث ليظفر بمقعدٍ كأنما حازه بصكّ من الحظ العظيم.
بجانبه، تجلت فتاة شارفَت على نهاية الثلاثينات؛ كأنها لوحة هاربة من متحف وسط هذا الخراب، تلفها أناقة نادرة وتزين حجرها كتاب فخم..
بريق الثقافة في عينيه دفعه للتأمل، فقال مبهوراً: “ما شاء الله، أنتِ من هواة عالم المحاسبة؟” التفتت مذهولة وقالت: “كيف عرفتَ؟” أجاب بابتسامة ثقة: “لأن ما بين يديكِ كتاب المحاسبة المتوسطة وانا اعرفه جيدا..
اقترب الساعي يطلب الأجرة البسيطة، فتوقف الكلام بينهما.. وبعد ابتعاده انفتح باب الحديث بينهما. قال هو وبشغف: “أنِا ايضا احب عالم المحاسبة اجده اهم العلوم في حياتنا.
فأجابت ببرود قاطع بدّد سحر الموقف: “إذن نحن مختلفان. أنا لا أُحب المحاسبة، ولا أقرأ حرفاً واحداً منها.. هذا الكتاب اشتريته لاخي قد طلبه مني، وأعتقد جازماً أن الإنسان البطران وحده هو من يملك رفاهية القراءة حول المحاسبة, واعتقد هي مهنة وليست علم.
صعقه الجواب! تشققت غشاوة الخيال الذي بناه حولها في ثوانٍ معدودات، فارتسمت على محياه علامات الدهشة وخيبة الأمل. وقبل أن يستوعب تناقض المظهر الباذخ مع جوهر الجفاء، وقفت بغتة وسط ازدحام الحافلة، وصاحت بصوت قاطع: “نازل.. نازل!”
هبطت من الباص، وتركته غارقاً في صدمة عميقة؛ لقد علّمه ذلك الموقف درساً قاسياً وموجعاً في فلسفة الحياة: لا تسكن بيوت المظاهر أبداً، فربما وجبت الرحلة وحدك، ووجدتَ أن أغلى ما تحمله الأغلفة البراقة.. فارغ تماماً من الداخل.



