الاثنين - 27 يوليو 2026
منذ 5 ساعات
الاثنين - 27 يوليو 2026

 طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

لا تُقاس قوة الدول بما تختزنه أراضيها من ثروات طبيعية فحسب ، بل بقُدرتها على تحويل تلك الثروات إلى أقتصاد متُوازن قادر على الصمود أمام الأزمات والمُتغيرات ، وتجارب الدول أثبتت أن الموارد الطبيعية قد تتحول إلى نعمة عندما تُدار بعقل أستراتيجي ، وقد تصبح عبئاً عندما تُهدر في الإنفاق الاستهلاكي وتُهمل معها بقية القطاعات الإنتاجية .

والعراق ، رغم أمتلاكه أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم ، ما زال يعيش مُفارقة أقتصادية واضحة ، إذ بقيت الموازنة العامة مُرتبطة إلى حدٍ كبير بعوائد النفط ، بينما لم تنجح الحكومات المُتعاقبة في بناء أقتصاد مُتنوع يُوفر مصادر دخل مُستقرة ومُستدامة.

ومع كُل أنخفاض في أسعار النفط العالمية ، يعود المشهد ذاته ليتكرر ، تتراجع الإيرادات ، وتضيق الخيارات ، وتتأجل المشاريع ، وتتزايد الضغوط على الموازنة العامة .

وهذا يكشف أن المُشكلة ليست في حجم الموارد ، بل في طبيعة النموذج الاقتصادي الذي أُديرت به الدولة طوال السنوات الماضية ، وهو نموذج رسّخ ثقافة الاعتماد على الريع النفطي أكثر مما شجع على الإنتاج والاستثمار .

صحيح أن الإيرادات غير النفطية شهدت نمواً نسبياً خلال الفترة الأخيرة ، إلا أن هذا التحسن لا ينبغي أن يُقرأ بأعتباره إنجازاً نهائياً ، بل بوصفه فرصة ينبغي أستثمارها لتغيير المسار الاقتصادي للدولة ، فالعراق يمتلك عشرات المنافذ التي يُمكن أن تُشكل مصادر دخل حقيقية ، تبدأ من الضرائب والرسوم الجمركية ، مروراً بالمنافذ الحدودية ، وأجور الخدمات ، والشركات العامة الرابحة ، والمصارف الحكومية ، والموانئ والمطارات ، ولا تنتهي عند قطاعات السياحة والاتصالات والنقل والزراعة والصناعة ، غير أن المُشكلة تكمُن في أن كثيراً من هذه الموارد ما زال يعمل بأقل من طاقته الحقيقية ، بسبب الترهل الإداري ، وضُعف الحوكمة ، وتداخل الصلاحيات ، فضلاً عن أستمرار مظاهر الهدر والفساد التي تستنزف جزءاً مهماً من المال العام .

إن تعظيم الإيرادات غير النفطية لا يعني فرض المزيد من الرسوم على المواطنين أو زيادة الأعباء الضريبية عليهم ، بل يبدأ بإصلاح منظومة الجباية نفسها ، وأتمتة الإجراءات ، وإغلاق منافذ التهريب والتهرب ، وتوحيد قواعد البيانات ، وتفعيل الرقابة المالية والإدارية ، بما يضمن وصول الإيرادات كاملة إلى خزينة الدولة ، فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الرسوم والجباية والغرامات المفروضة ، وإنما بنسبة الأموال التي كانت تضيع وأصبحت اليوم تُحصّل وفق القانون .

وفي الوقت ذاته ، فإن بناء أقتصاد مُتنوع لا يُمكن أن يتحقق من خلال الإجراءات المالية وحدها ، بل يتطلب إعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية التي أهملت لعقود ، فالزراعة العراقية تمتلك مُقومات كبيرة إذا ما توفرت لها إدارة حديثة ، والصناعة الوطنية قادرة على أستعادة جُزء مهم من دورها إذا أُزيلت عنها القيود البيروقراطية ، والسياحة الدينية والأثرية يمكن أن تتحول إلى مورد أقتصادي ضخم متى ما توفرت لها البُنية التحتية والاستقرار والخدمات ، كما أن الاقتصاد الرقمي وأقتصاد المعرفة يفتحان أمام العراق فُرصاً واسعة لخلق وظائف جديدة تتناسب مع طبيعة الأجيال الشابة وتطورات الاقتصاد العالمي .

ومن هنا ، فإن الدعوات التي أطلقها رئيس مجلس الوزراء السيد “علي الزيدي” بشأن تعظيم الإيرادات غير النفطية تُمثل أتجاهاً أقتصادياً يستحق الدعم ، شريطة أن يتحول من إطار التصريحات إلى مشروع وطني مُتكامل ، يرتكز على رؤية علمية بعيدة عن المُعالجات المُؤقتة ، فالاقتصاد لا يُدار بردود الأفعال ، وإنما بخُطط طويلة الأمد تستند إلى أهداف قابلة للقياس ، ومُؤشرات أداء واضحة ، ومُراجعات دورية تضمن تصحيح المسار كُلما دعت الحاجة .

إن العراق بحاجة إلى أستراتيجية أقتصادية وطنية تمتد لعقدٍ كامل على الأقل ، تُعدها نخبة من “الأكاديميين والخبراء والمتخصصين” ، وتكون مُلزمة للحكومات المُتعاقبة بحيث لا تتغير بتغير الأشخاص أو الدورات الانتخابية ، وينبغي أن تتضمن هذه الاستراتيجية أهدافاً واقعية لرفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي ، وزيادة الإيرادات العامة تدريجياً ، وتوسيع مُساهمة القطاع الخاص ، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي ، مع تحويل جُزء من العوائد النفطية إلى صناديق تمويل للمشاريع الإنتاجية بدلاً من أستنزافها بالكامل في النفقات التشغيلية والاستهلاكية .

ولعل أخطر ما يواجه الاقتصاد العراقي اليوم ليس أنخفاض أسعار النفط ، بل أستمرار العقلية التي تتعامل مع النفط بأعتباره الضامن الوحيد لاستقرار الدولة ، فهذه النظرة جعلت الاقتصاد أسيراً لتقلبات الأسواق العالمية ، بينما بقيت القطاعات الأخرى تنتظر فرصاً لم تُمنح لها بالشكل الكافي ، والدول التي نجحت في بناء أقتصادات قوية لم تتخل عن مواردها الطبيعية ، لكنها أحسنت توظيفها لتأسيس اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة وقدرة على مواجهة الأزمات .

أخيراً وليس آخراً .. إن المرحلة الراهنة تمنح العراق فُرصة قد لا تتكرر بسهولة ، فالإصلاح الاقتصادي لم يعد ترفاً فكرياً ، ولا شعاراً أنتخابياً ، بل أصبح ضرورة وطنية تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة .

وإذا أرادت الطبقة السياسية والحكومة أن تُؤسس لمرحلة مُختلفة ، فعليهما الانتقال من إدارة الإيرادات إلى صناعة الثروة ، ومن أقتصاد الريع إلى أقتصاد الإنتاج ، ومن التخطيط القصير إلى الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد ، فالدول لا تُبنى بما تملكه من نفط ، وإنما بما تمتلكه من مُؤسسات كفوءة ، وإدارة رشيدة ، وإرادة سياسية قادرة على أتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب ، وعندها فقط لن يكون النفط قيداً على مستقبل العراق ، بل نُقطة أنطلاق نحو أقتصاد أكثر تنوعاً وأستقراراً ، وعدالة للأجيال القادمة …!