الرئيس بري، أخطاء تاريخية في مقابلة اساس ميديا..!
ناجي علي أمهز ||

ان اكثر ما يدفعني للكتابة بهذا الموضوع هو الكلام الذي نشر حيث قال الرئيس بري وحسب ما نشر موقع اساس ميديا بان علاقته ببشّار الأسد اتّسمت بالتوتّر والبرودة لأكثر من اثني عشر عاماً لم يزُر فيها دمشق.
وهنا المفارقة فالرئيس بري لم يزر سوريا منذ حاولي 16 سنة كما هو معروف للجميع، وبين 12 سنة و 16 سنة فرق، فالرئيس بري رجل دولة واليوم الواحد في السياسة له اهميته التاريخية، واذا كان هناك زيارات لم يعلن عنها ايضا اقتضى التوضيح.
فقد أثارت المقابلة الأخيرة مع دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، والمنشورة عبر موقع “أساس ميديا” وما تلاها من تصريح لصحيفة الاخبار، نقاشاً واسعاً بين المهتمين بالشأن السياسي.
وليس المقصود من هذه الملاحظات التي ادونها الدخول في سجال مع أحد، خاصة العمل الصحفي للمؤسستين الاعلاميتين، وإنما طرح مجموعة من الأسئلة التي تستحق التوضيح، لأن شخصية بحجم الرئيس بري اعتدنا أن نُقرأ كلماتها بدقة، وأن نُبنى عليها استنتاجات سياسية.
لكن بما ان الموضوع يتعلق براس الهرم في الطائفة الشيعية التي اليوم تعيش حالة خطيرة على كافة المقاييس لاسباب سياسية واعلامية وضعتها على مفترق طرق وجودي، اكتب هذا النص ببعد سياسي صرف.
فقد كشف اساس ميديا ان العلاقة الرئيس بري بالرئيس عون “ممتازة. نختلف على بعض وجهات النظر السياسيّة، لكنّنا على تواصل دائم. قبل سفره إلى واشنطن اتّصل بي قائلاً: “بماذا توصيني؟”، فقلت له: “أوصيك بأمرين: تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيليّ الشامل، وعودة الناس إلى قراهم ومنازلهم”. وعندما عاد من واشنطن اتّصلت به مهنّئاً بالسلامة، وسأزوره قريباً” (انتهى الاقتباس)
وهذا الكلام ينفي كل ما قد قيل في السابق عن القطيعة والاختلاف بالعمق مع مسار الرئيس عون التفاوضي، وما ابرزته اليوم صحيفة الاخبار” على أن الرئيس بري «لا يزال متمسكاً برفض أي تفاوض مباشر بين لبنان والعدو الإسرائيلي، وبالموقف الذي سبق أن عبّر عنه من اتفاق الإطار، والذي وصفه سابقاً بأنه أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار».
وان بري: “أوضح أن أي مواقف صدرت عنه، جرى تفسيرها على أنها تنطوي على مرونة أو إيجابية تجاه المسار التفاوضي القائم، مرتبطة حصراً بأولوية تحقيق الهدف الأساسي الذي يطالب به منذ اليوم الأول، والمتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة الأهالي إلى قراهم ومنازلهم. أما ما عدا ذلك، فلا يعني أي تبدل في موقفه المبدئي الرافض لتحويل هذه المرحلة إلى مدخل لتفاوض سياسي مباشر مع إسرائيل أو إلى مسار يتجاوز الثوابت اللبنانية التي سبق أن أكدها مراراً.
اذا هنا نحن كمتابعين سياسيين نستطيع القول ان هناك امر يحصل يجب التوقف عنده. خاصة انه عرف اللبنانيون الرئيس نبيه بري طوال عقود بأسلوب سياسي متماسك، يعتمد الاقتصاد في الكلام، والدقة في اختيار المفردات، وربط المواقف بسياق سياسي واضح. لذلك بدا النص المنشور مختلفاً، في بعض محطاته، عمّا اعتاده الرأي العام من منطقه السياسي وأسلوبه المعروف.
أولاً:
ما اكتبه يتعلق بعمق العمل السياسي وخطورته الوجودية حقيقة على طائفة اجزم بانها اصبحت في وضع لا تحسد عليه.
ثانياً:
ورد في المقابلة، ان الرئيس بري قال: أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “يفهمه أكثر من بعض اللبنانيين”، وأن “المملكة العربية السعودية تحبه أكثر من بعض اللبنانيين”.
هنا من حق اي سياسي تابع تصريحات الرئيس بري على مدار عقود ان يقول: إن هذا النوع من التعبير يختلف عن الخطاب الذي عرف به الرئيس بري، والذي يقول ” أن العلاقات بين الدول تُبنى على المصالح المتبادلة والاحترام والسيادة، لا على مفردات المحبة أو الفهم الشخصي”.
وخطاب الرئيس بري ومقولته الشهيرة عام 2002 حاضرة “العلاقات مع الدول لا تمر أو تترتب بوكالات حصرية”.
ثالثاً:
تضمن الحوار نصيحة بري للحكم السوري الجديد، “أن لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو الانتقام، وعلى السوريّين ألّا يرتكبوا خطأ العراقيّين بعد سقوط صدّام”، حيث يفهم من كلام الرئيس بري ان الحكومات العراقية قامت على ” الإقصاء أو الانتقام”.
والواقع أن هذه العبارة قد تحتمل أكثر من تفسير، ولذلك فإن توضيح المقصود منها يصبح ضرورياً.
كما أن كلام الرئيس بري الى الوزير الشيباني “أنّ علاقته بالرئيس الراحل حافظ الأسد امتدّت نحو خمسة وعشرين عاماً، وكانت، علاقة ممتازة قائمة على الثقة والتواصل.”
مع العلم بان الرئيس بري علاقته بالرئيس الاسد بدات بعد غياب الامام موسى الصدر بسنوات مما يعني بان بري تعرف على الاسد اقله مع الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، وكان يجب على اساس ميديا ان يلحظ ويدقق هذه الفوارق الزمنية بالتحرير.
كما ان حافظ الاسد دخل لبنان عام 1976 وتوفي عام 2000 ، هل كان الرئيس بري يعرف الاسد قبل هذا التاريخ.
كما لا يعقل ان يتحدث اي رجل سياسي من وزن الرئيس بري امام الحكومة السورية الجديدة التي قامت على انقاض حكم حافظ الاسد بهذه الطريقة، خاصة ان الحكومة السورية الجديدة لم تكتفي فقط بمحاسبة كافة اتباع واصدقاء وحلفاء حافظ الاسد بل قامت “بقبع قبره من مكانه”.
رابعاً:
ومن أكثر العبارات التي استوقفت القراء القول: “أنا الشيعي الوحيد في العالم العربي الذي لم يتورط في الحرب السورية.”
إذا كانت العبارة قد وردت بهذا النص، فإنها قد توحي بتعميم لا يعكس الواقع، إذ إن مواقف الشيعة العرب من الحرب السورية لم تكن واحدة، وبرزت شخصيات سياسية وكتّاب ومثقفون أعلنوا مواقف مختلفة منذ بدايات الأزمة.
وهل يقول الرئيس بري ان شيعة لبنان خاصة الحزب تورطوا في الحرب السورية.
واذا كان المقصود هو الحديث عن موقع سياسي محدد، فيجب صدور توضيح كامل لخطورة هذا التصريح على الطائفة الشيعية وهي مهددة مباشرة بتدخل سوري من الحكومة الجديدة.
خامساً:
أما الحديث عن التكريم الذي لقيه الرئيس بري خلال أدائه مناسك الحج، فهو أمر لا يُستغرب تجاه شخصية رسمية تتولى رئاسة السلطة التشريعية في لبنان، إذ إن البروتوكولات المعتمدة في استقبال كبار المسؤولين هي جزء من الأعراف الدبلوماسية بين الدول، ولا تنتقص من قيمة العلاقة ولا تضيف إليها بحد ذاتها.
بالختام الرئيس بري ليس شخصية عادية تقوم باداء فريضة الحج.
سادساً:
كذلك استوقفت كثيرين العبارة المتعلقة بالخلاف التاريخي حول الخلافة بين السنة والشيعة عندما قال.” لو قال كلّ السنّة إنّ الإمام عليّ أحقّ بالخلافة، فماذا سيستفيد الشيعة؟ ولو قال كلّ الشيعة إنّ أبا بكر أحقّ بالخلافة، فماذا سيستفيد السنّة؟”
وهنا الجميع يعرف أن الرئيس بري كان دائماً من أبرز الداعين إلى الوحدة الإسلامية والعيش المشترك، ولذلك فإن أي طرح يتعلق بهذا الملف يحتاج إلى دقة استثنائية، حتى لا يُفهم وكأنه يعيد النقاش إلى إطار مذهبي طائفي، الرئيس بري كان نهجه السياسي طوال عقود يؤكد على أن الخلافات الراهنة هي خلافات سياسية تعالج بالحوار ولم تكن يوما طائفية.
كلمة أخيرة
ليس الهدف من هذه الملاحظات الاعتراض على مضمون سياسي أو الانحياز الى اي وجهة نظر، بل الحرص على وضوح الخطاب الصادر عن شخصية وطنية بحجم الرئيس نبيه بري.
في زمن كالزمن الذي نعيشه خاصة الطائفة الشيعية يصبح التوضيح فضيلة.
الرجاء الاجابة والتوضيح.



