تهويل على لبنان واستخفاف بالعقول…متى خاض الشرع حربا وانتصر فيها؟ قوة عربية تدخل الحرب فهل لديهم جيوش؟!
ميخائيل عوض / لبنان ||

الإعلام يغرق في صناعة الخوف بينما الوقائع تعلن ولادة توازنات جديدة
في كل الحروب الكبرى يتقدم سؤال الحقيقة على كل الأسئلة الأخرى: هل ما يراه الناس على الشاشات هو ما يجري فعلاً على الأرض؟ من هذا السؤال ننطلق في قراءتنا للتطورات الإقليمية، إن المنطقة تعيش حربين متوازيتين؛ الأولى تدور في الميدان حيث تُصنع الوقائع وتُرسم موازين القوى، والثانية تُخاض في الفضاء الإعلامي عبر حملات التهويل والترهيب وصناعة الانطباعات التي تستهدف الوعي أكثر مما تستهدف الجغرافيا.
ونرى أن جزءاً واسعاً من الإعلام العربي، وحتى بعض المنابر المحسوبة على محور المقاومة، بات أسيراً لإعادة تدوير الشائعات والتسريبات والسيناريوهات المفترضة، فاختلطت الحرب النفسية بالتحليل السياسي، وأصبح المتلقي يعيش تحت وطأة أخبار لا تجد ما يسندها في الواقع العسكري. لذلك يدعو إلى إعادة الاعتبار للميدان بوصفه المرجعية الوحيدة القادرة على قياس موازين القوة، لأن الحروب لا تُحسم بعناوين الأخبار، بل بما تفرضه الوقائع على الأرض.
*التهويل بورقة أحمد الشرع… أين المعركة التي انتصر فيها؟*
عند تصاعد الحديث عن احتمال دخول أحمد الشرع إلى لبنان وفرض وقائع أمنية وعسكرية جديدة، نعتبر أن هذا الخطاب يمثل نموذجاً واضحاً للحرب النفسية. فقبل الحديث عن قدرات الرجل، نطرح سؤالاً نعتبره غائباً عن النقاش الإعلامي: أين المعركة التي خاضها أحمد الشرع وانتصر فيها؟
وبحسب قراءتنا، فإن مسيرة الشرع العسكرية لا تتضمن مواجهة حاسمة مع تنظيم داعش انتهت بانتصاره، ولا حرباً ناجحة ضد الجيش السوري، ولا مواجهة مع إسرائيل حالت دون احتلالها لمناطق واسعة من الجنوب السوري وجبل الشيخ. لذلك نرى أن تحويل اسمه إلى عنوان لإرهاب اللبنانيين لا يستند إلى سجل ميداني بقدر ما يستند إلى حملة إعلامية هدفها إرباك البيئة اللبنانية وإقناعها بأن موازين القوى تبدلت، بينما الوقائع لا تشير، وفق طرحنا إلى مثل هذا التحول.
إن القوى التي واجهت إسرائيل في جنوب لبنان استطاعت، رغم الفارق الهائل في الإمكانات، تعطيل أهدافها العسكرية وإجبارها على مراجعة حساباتها، ما يجعل الحديث عن انهيار هذه البيئة أمام تهديدات إعلامية مجرد محاولة للتأثير في المعنويات أكثر من كونه توصيفاً لمشهد عسكري حقيقي.
*”القوة العربية” الموعودة… من يملك جيشاً يخوض الحرب؟*
وننتقد بقوة ما يروَّج عن استعداد “قوة عربية” للدخول في مواجهة مع إيران أو فرض ترتيبات جديدة في المنطقة، نعتبر أن هذا الطرح يفتقر إلى أي سند عملي. والسؤال : أين هي هذه القوة؟ وما هي الجيوش التي أثبتت قدرتها على خوض حرب إقليمية بهذا الحجم؟
إن معظم الدول التي يجري الحديث عنها تعتمد في أمنها على القواعد العسكرية الأجنبية والمظلة الأمريكية، بينما كشفت تجارب وخاصة في هذه الجولة من الحرب، وفي مقدمتها الحرب في اليمن، حدود القدرة العسكرية للتحالفات العربية عندما واجهت خصماً استطاع الصمود سنوات طويلة رغم الفارق الكبير في الإمكانات.
ومن هنا نعتبر أن الحديث عن “القوة العربية” يدخل، في رأينا ، ضمن أدوات الحرب النفسية الرامية إلى صناعة انطباع بوجود خيارات عسكرية جاهزة، بينما الوقائع تشير إلى غياب قوة عربية مستقلة قادرة على تغيير موازين الحرب.
*ترامب في مرحلة العجز… من فرض الشروط إلى البحث عن المخارج*
إن الإدارة الأمريكية لم تعد تتحرك من موقع المبادرة، بل من موقع محاولة احتواء الخسائر. فبعد أن كان دونالد ترامب يطرح شروطه باعتبارها أساس أي تسوية، بات، وفق هذا التحليل، يعتمد على الوسطاء الإقليميين سعياً إلى فتح قنوات تفاوض جديدة.
وأن مجرد انتقال النقاش إلى تنظيم الملاحة في مضيق هرمز وآليات إدارته يعني أن الأولويات الأمريكية تغيرت، وأن الصراع لم يعد يدور حول منع إيران من فرض وقائع جديدة، بل حول كيفية التعايش مع تلك الوقائع وإدارتها. وبرأينا فإن هذا التحول يعكس تراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها بالقوة، ويؤكد أن عامل الزمن بات يعمل ضد واشنطن أكثر مما يعمل لمصلحتها.
*الصين… الرابح الأكبر والضامن الدولي الجديد*
إن للدور الصيني أهمية خاصة، وأن بكين خرجت من هذه المرحلة أكثر قوة ونفوذاً، وأنها لم تعد مجرد شريك اقتصادي، بل تحولت إلى لاعب سياسي واستراتيجي يصعب تجاوز حضوره في أي تسوية مقبلة.
ونرى أن دخول الصين على خط الوساطة يحمل دلالات تتجاوز وقف إطلاق النار، لأنه يعكس اعترافاً دولياً بأن النظام العالمي يشهد انتقالاً تدريجياً من الأحادية الأمريكية إلى توازنات متعددة الأقطاب. ونؤكد أن الصين تمتلك، بخلاف كثير من الوسطاء الإقليميين، القدرة على تقديم ضمانات سياسية واقتصادية تجعلها طرفاً يحظى بثقة أكبر لدى القوى المنخرطة في الصراع.
كما نعتبر أن الحرب عززت المكانة الاقتصادية للصين، ورسخت حضورها في ملفات التجارة والطاقة والممرات البحرية، لتصبح، وفق رؤيتنا المستفيد الاستراتيجي الأكبر من التحولات الجارية.
*الوقائع لا الدعاية… هنا تُكتب نهاية الحروب*
إن أخطر الأخطاء هو التعامل مع الحملات الإعلامية باعتبارها حقائق نهائية، لأن التاريخ لا يكتبه الضجيج، بل تصنعه النتائج التي يفرضها الميدان. ومن هنا ندعو إلى التحرر من أسر الروايات الجاهزة، وإعادة بناء التحليل على أساس الوقائع الملموسة لا الانطباعات، نعتبرأن المنطقة تقف أمام مرحلة انتقالية كبرى تتغير فيها موازين القوى الدولية، وأن فهم هذه التحولات يبدأ من قراءة الواقع كما هو، لا كما يراد له أن يظهر على الشاشات.
🖊 ميخائيل عوض



