الفساد في العراق نزيف صامت يهدد الحق في الحياة..!
كاظم الطائي _Nor

تُعد ظاهرة الفساد المالي والإداري في العراق من أخطر الظواهر التي لا تقتصر آثارها على إهدار المال العام، بل تمتد لتصيب البنية الاجتماعية والاقتصادية والخدمية للدولة، وتنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين وكرامتهم. فالفساد، في جوهره، ليس مجرد مخالفة قانونية أو تجاوز إداري، وإنما هو فعل يفضي إلى تعطيل مؤسسات الدولة، وإضعاف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، ولا سيما في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات العامة.
وتتجلى خطورة الفساد حين يتحول المال العام من وسيلة لتحقيق التنمية إلى أداة للنهب والإثراء غير المشروع، الأمر الذي يؤدي إلى حرمان المجتمع من حقوقه الأساسية. فكل دينار يُختلس من الموازنة العامة يعني نقصًا في خدمة عامة، أو تأخرًا في مشروع حيوي، أو تراجعًا في مستوى الرعاية الصحية، أو ضعفًا في توفير المياه والكهرباء والطرق الآمنة. ومن ثمّ فإن الفساد لا يقتصر أثره على الجانب المالي، بل يخلق سلسلة من النتائج السلبية التي تمس حياة الأفراد اليومية وتزيد من معاناتهم.
وفي المجال الصحي على وجه الخصوص، يظهر أثر الفساد بصورة أكثر وضوحًا وخطورة. فحين تُهدر المخصصات المالية الموجهة للمستشفيات، أو تُعطّل إجراءات التعاقد والتجهيز، أو تُدار الموارد الصحية على أساس المحاصصة والمصالح الخاصة، فإن النتيجة تكون نقصًا في الأدوية، وتراجعًا في جودة الخدمات، وحرمان المرضى من العلاج في الوقت المناسب. وعندئذٍ لا يعود الفساد مجرد خلل إداري، بل يصبح سببًا غير مباشر في الوفاة والمعاناة، لأنه يمنع وصول الخدمة إلى مستحقيها في اللحظة التي تكون فيها الحياة مرهونة بها.
كما أن الفساد يسهم في تعميق الفقر وتوسيع الفجوة الاجتماعية، إذ يؤدي إلى تعطيل فرص العمل، وتراجع الاستثمار، وضعف الثقة بالمؤسسات العامة، وانخفاض مستوى العدالة في توزيع الموارد. ومع استمرار هذا الوضع، تتآكل قدرة الدولة على حماية الفئات الهشة، ويصبح المواطن أكثر عرضة للحرمان والتهميش. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الفساد باعتباره شكلًا من أشكال العنف البنيوي الذي لا يستخدم السلاح مباشرة، لكنه يفضي إلى نتائج قاتلة على المدى البعيد.
وعلى الصعيد القانوني والأخلاقي، فإن الفساد لا يمثل اعتداءً على المال العام فحسب، بل يشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة والصحة والتعليم والعيش الكريم. لذلك فإن مواجهته لا ينبغي أن تقتصر على استرداد الأموال المنهوبة، بل يجب أن تشمل إصلاح المنظومة الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة، وتطبيق مبدأ المحاسبة على جميع المستويات. فالمجتمع الذي يتسامح مع الفساد إنما يساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استمرار الأذى الواقع على أفراده.
وخلاصة القول إن الفساد في العراق ليس مجرد قضية مالية أو إدارية، بل هو أزمة وطنية تمس جوهر الدولة ووظائفها الأساسية، وتنعكس آثارها على حياة الناس وصحتهم ومستقبلهم. ومن ثمّ فإن مكافحته تمثل ضرورة أخلاقية وقانونية وتنموية في آن واحد، لأن حماية المال العام تعني في النهاية حماية الإنسان، وصون حقه في الحياة الكريمة، ومنع تحويل السرقة الصامتة إلى أداة قتل بطيء للمجتمع بأسره.




