الثلاثاء - 30 يونيو 2026
منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 30 يونيو 2026

ضياء أبو معارج الدراجي

 

 

​لم تتح لي الفرصة أن ألتقي بك سابقًا أو حاليًا، أو أن أعرفك عن قرب أو من بعيد، بل كنت من المعترضين على تكليف رئيس وزراء لم يكن يمتلك حضورًا سياسيًا معروفًا في الساحة العراقية؛ إذ كنت أرى أن البلاد في هذه المرحلة الحرجة تحتاج إلى شخصية أكثر خبرة وتجربة، وهذا كان واضحًا في مقالاتي وتغريداتي قبل التكليف وبعده.

​لكن حملتك الأخيرة ضد الفاسدين، وما رافقها من اعتقالات، واسترداد للأموال العامة، وفتح حساب مصرفي خاص لإيداع الأموال المصادرة، دفعتني إلى مراجعة موقفي، وأدركت أن الإنسان ربما يخطئ أحياناً في تقدير الرجال أو في قراءة الأحداث.
​ومع ذلك، أذكرك بأن هذه ليست أول حملة تُرفع فيها راية “مكافحة الفساد”؛ فقد سبقك رؤساء وزراء دخلوا هذا الملف بشعارات رنانة، لكن النتائج جاءت مخيبة لآمال العراقيين:

​بدأ حيدر العبادي حملته بشعار “الضرب بيدٍ من حديد”، إلا أن تلك اليد لم تصل إلى الفاسدين، بل طالت كثيرًا من الكفاءات والموظفين النزيهين الذين كانت تعتمد عليهم مؤسسات الدولة في منع الفساد والمفسدين، بينما بقي الفاسدون وأصحاب النفوذ بمنأى عن المساءلة وازداد نفوذهم، ومن تلك المرحلة انطلقت موجة فساد أكبر مهدت لما شهدته البلاد في السنوات اللاحقة.
​ثم جاء عادل عبد المهدي، لكن أحداث تشرين أنهت حكومته قبل أن يتمكن من تحقيق إنجاز حقيقي في هذا الملف.

وبعده تولى مصطفى الكاظمي، ففُتح باب واسع لاستغلال أملاك الدولة، واستُخدم القرار (169) بطريقة أثارت الكثير من علامات الاستفهام، حتى تحول إلى وسيلة لمنح الأراضي لأكثر من مرة للمقربين بعيدًا عن مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، ناهيك عما سُمي بـ”سرقة القرن”.

​ثم بدأت حكومة محمد شياع السوداني ولايتها بقضية نور زهير واسترداد أموال “سرقة القرن”، وعُرضت الأموال المستردة أمام عدسات الكاميرات كما يحدث اليوم، إلا أن السنوات اللاحقة شهدت اتساعًا غير مسبوق في الفساد، واستغلالًا لموارد الدولة من قبل المتنفذين وأقارب أصحاب النفوذ لتحقيق مصالحهم الخاصة بشكل مفزع جدًا.

​الأخ علي الزيدي..
أتمنى أن تكون حملتك مختلفة، وأن تكون نهايتها مختلفة أيضًا. ولا أريد أن أذكرك بالمثل العربي الشهير: “وكأنك يا أبا زيد ما غزيت”، وهو مثل يُضرب عندما تُبذل جهود عظيمة، ثم لا يرى الناس أثرًا حقيقيًا لها، فيبدو كل ما حدث وكأنه لم يكن.
​فالعراقيون لا يريدون مؤتمرات صحفية، ولا صورًا للأموال المستردة، ولا عناوين إعلامية مؤقتة، بل يريدون أن يروا الفاسد خلف القضبان، وأن تعود الأموال إلى خزينة الدولة، وأن تُغلق أبواب السرقة، وأن يشعر المواطن بأن القانون أصبح فوق الجميع بلا استثناء.

​إن نجاح حملتك لن يُقاس بعدد أوامر القبض، بل بعدد الأحكام القضائية الباتة، وبحجم الأموال التي تعود فعلًا إلى خزينة الدولة، وبإغلاق المنافذ التي يتسلل منها الفساد. وأقولها لك بصراحة: لا تستثنِ فاسدًا واحدًا، مهما كان منصبه أو انتماؤه أو الجهة التي تحميه، ولا تسمح بأن تنتهي هذه الحملة كما انتهت سابقاتها، فتتحقق المقولة عمليًا: “وكأنك يا أبا زيد ما غزيت”.
​وأرجو ألا تكون حملتك غطاءً لأهداف أخرى؛ كاعتقال أبطال المقاومة، أو أن يستغلها المحتل لاستهداف من لا ناقة لهم ولا جمل في قضايا الفساد، أو ربما “فرسًا” حسب ما كُشف أخيرًا من إسطبلات خيول الفاسدين سعر الواحد منها يفوق سعر شقة في مجمع بوابة بغداد أو بيت في منطقة راقية.

وأخيرًا، أتمنى أن تمتد العدالة لتُعيد حقوق كل من ظُلم خلال السنوات الماضية، ومنهم كاتب هذه السطور، الذي عمل في مكتب رئيس الوزراء لسنوات طويلة في أخطر الملفات المالية والأمنية، ولم يضع في جيبه يومًا درهمًا حرامًا، ولم يُسجل عليه فساد أو تقصير، ومع ذلك طالته وغيره من الشرفاء يد العبادي الحديدية الحولاء بالإقصاء والعزل بذريعة “الفضائيين”، فحُرم من جميع حقوقه، رغم أن تاريخه الوظيفي كان شاهدًا على نزاهته وإخلاصه.

​فالدولة العادلة لا تكتفي بمحاسبة الفاسدين، بل تُنصف الشرفاء أيضًا، لأن بناء الأوطان لا يتحقق بالعقاب وحده، وإنما بردِّ الحقوق إلى أصحابها، وإنصاف المظلومين، وترسيخ مبدأ أن العدالة لا تميز بين صاحب نفوذ ومواطن بسيط.

​إن نجاحك الحقيقي لن يكون في كشف الفاسدين فقط، بل في إعادة الثقة بالدولة، وإقناع العراقيين بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى، وأن زمن إنصاف المظلومين قد بدأ.

فهل نرى رئيسًا عادلًا هذه المرة أم مجرد صورة تدار بخلفية فاسدة، مع ما نملكه من ملاحظات كثيرة ممن يحيطون بمكتبكم الخاص من مخلفات الحكومات السابقة الذين لا يزالون يديرون المشهد هناك.