بيوت زجاجية..!
🖋️ قاسم سلمان العبودي ||

لا يختلف اثنان على أن محاربة الفساد وملاحقة الفاسدين تمثلان خطوة في الاتجاه الصحيح، بل إنهما من أهم الاستحقاقات التي ينتظرها العراقيون منذ سنوات طويلة. فقد تحول الفساد إلى منظومة متجذرة أنهكت مؤسسات الدولة، وأصبح الاستثراء على حساب المواطن ثقافة سياسية واقتصادية ساهمت في إجهاض تطلعات الشعب نحو دولة قادرة على توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة.
ولا يزال العراقي يدفع ثمن هذا الواقع المرير؛ إذ يعاني نقصًا واضحًا في الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الطاقة الكهربائية، رغم أن البلاد تشهد درجات حرارة تتجاوز الخمسين مئوية، في حين بقيت بعض المناطق، ومنها المنطقة الخضراء، بعيدة عن معاناة القطع المبرمج التي يتحملها معظم أبناء الشعب. وهذه ليست سوى واحدة من سلسلة الإخفاقات التي رافقت الأداء الحكومي منذ عام 2004 وحتى اليوم .
ومن هذا المنطلق، فإن أي خطوة جادة لاسترداد المال العام ومحاسبة المتورطين بالفساد تستحق الدعم والترحيب، ولا سيما إذا طالت شخصيات من الطبقة السياسية التي ارتبط اسمها بملفات فساد كبيرة. وقد حظيت الإجراءات الأخيرة بارتياح شعبي ملحوظ، بعد أن عجزت حكومات سابقة عن محاسبة مسؤولين نافذين .
غير أن هذا الترحيب لا يمنع من طرح تساؤلات مشروعة. فالمتابع للشأن العراقي يتخوف من أن تتحول حملات مكافحة الفساد إلى مادة للاستثمار الإعلامي أو إلى وسيلة لتقديم إنجازات سياسية على حساب بناء مؤسسات الدولة. فالعراقيون لا يبحثون عن صناعة بطولات فردية أو إعادة إنتاج ثقافة “القائد الأوحد”، وإنما يتطلعون إلى دولة مؤسسات تعمل بصمت، وتقدم نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين .
إن النجاح الحقيقي لأي حملة لمكافحة الفساد لا يُقاس بحجم التغطية الإعلامية، وإنما بعدد القضايا التي تُحسم أمام القضاء، وباسترداد الأموال العامة، وبترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون، مهما كان موقعه أو نفوذه .
ومن هنا، فإن المطلوب من الحكومة أن تمضي في هذا المسار بثبات وشفافية، بعيدًا عن الاستعراض الإعلامي، وأن تمتنع عن أي مجاملات أو تسويات سياسية قد تفضي إلى إسقاط التهم عن المتورطين . كما أن الإعلان عن نتائج التحقيقات والأحكام القضائية الصادرة بحق المدانين عبر وسائل الإعلام الرسمية سيمنح الرأي العام الثقة بأن الدولة تخوض معركة حقيقية ضد الفساد، لا حملة مؤقتة تخضع لحسابات السياسة.
لقد شهد العراقيون في مراحل سابقة شعارات إعلامية رنانة ( ألو عماد ، والله لايوفقني لهاي الخدمة ) رافقت وعودًا كبيرة، لكنها لم تنعكس على واقع الخدمات أو الاقتصاد، بل انتهت بخيبات أمل وأزمات متراكمة . ولذلك، فإن ما ينتظره المواطن اليوم ليس شعارات جديدة ، بل إجراءات راسخة تؤسس لدولة العدالة والقانون، وتجعل من مكافحة الفساد نهجًا دائمًا، لا حدثًا إعلاميًا عابرًا .




