الاثنين - 29 يونيو 2026
منذ ساعتين
الاثنين - 29 يونيو 2026

احمد ناصر الشريف ||
صحيفة 26سبتمبر العدد 2452
 29 حزيران/يونيو 2026 م

 

 

ما يقارب نصف مليار عربي يحتلون مساحة شاسعة من الكرة الأرضية في قارتي آسيا وإفريقيا بموقع جغرافي متميز يتحكم في مداخل البحار، ويمتلكون من الثروات الخيالية ما لم يتوافر لغيرهم، يتحدثون لغة واحدة ويدينون بدين واحد لا تفصل بينهم إلا حدود وهمية صنعها الاستعمار للتفريق بينهم ولإضعافهم،

ومع كل ما يتمتعون به من أسباب القوة والثراء فإنهم غثاء كغثاء السيل مصداقاً لما جاء في الحديث الشريف.

​وإذا ما وقفنا قليلاً أمام تاريخ العرب الحديث وتجاربهم مع عدوهم منذ أول مواجهة معه بعد إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين في 15 مايو عام 1948م لن نجد شيئاً يرفع رؤوسهم، فقد كانت أول هزيمة يُمنون بها لخمسة جيوش عربية على أيدي عصابات الهاجانا التي شكلت آنذاك نواة للجيش الصهيوني ولم يمضِ على إنشاء هذا الكيان اللقيط سوى عدة أشهر، وفي عام 1956م كادت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل تحتل مصر ثأراً لتأميم قناة السويس لولا الإنذار الذي وجهه الزعيم السوفيتي خروتشوف فحال دون ذلك.

​أما في عام 1967م والعرب كانوا في أوج قوتهم ومزايدتهم بالقومية العربية فقد تعرضوا لأقوى هزيمة تاريخية من قبل الجيش الصهيوني الذي استطاعت قواته الجوية أن تهزم ثلاثة جيوش عربية وتقضي على قدراتها وما أكثرها حينها خلال ست ساعات، واستولى الصهاينة على بقية فلسطين المحررة التي كانت تديرها مصر والأردن كأمانة لديها المعروفة بالقدس والضفة الغربية وغزة مضيفين إليها احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية وأراضٍ أردنية في ستة أيام لا غير، وهو ما جعل إسرائيل تطلق على تلك الحرب: حرب الأيام الستة، وعلى جيشها: الجيش الذي لا يقهر، وفي المقابل وصفها العرب للتخفيف من وقع الهزيمة بالنكسة.

​وحين حاول العرب في 6 أكتوبر عام 1973م أن يعيدوا شيئاً من الاعتبار لأنفسهم والثأر لهزائمهم المتكررة من خلال عبور الجيش المصري لقناة السويس وتحطيم خط بارليف الحصين وصولاً إلى الضفة الشرقية من القناة، وكذلك محاولة الجيش السوري في الوقت نفسه استعادة الجولان وكان الدعم العربي المساند على أشده مادياً وعسكرياً، إلا أن الخوف الذي سيطر على القيادة المصرية عندئذ قد جعلها تحول النصر إلى هزيمة ولم تحافظ عليه حتى لمدة أسبوعين، فقد فاجأ القائد الصهيوني شارون العالم كله بعبور قواته إلى الضفة الغربية من القناة عبر بحيرة الدفرسوار وتمكن من الوصول إلى الكيلو 101 من القاهرة محاصراً الجيشين الثاني والثالث المصريين في الضفة الشرقية من القناة، وهو ما دفع الرئيس أنور السادات إلى إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد بحجة أنه أصبح يحارب أمريكا وليس إسرائيل، وقد تسبب وقف إطلاق النار من جانب مصر في الضغط على الجبهة السورية حيث انفرد بها الجيش الصهيوني واستعاد المكاسب التي كان الجيش السوري قد حققها، ولا داعي لذكر كيف انتهت هذه الحرب بالمفاوضات مع الكيان الصهيوني في الخيمة 101 والاعتراف به ككيان قائم وعقد اتفاقية سلام معه أخرجت مصر وجيشها من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.

ونتيجة لاطمئنان إسرائيل بعد تحييد مصر وجيشها قام القائد الصهيوني شارون بغزو لبنان عام 1982م واحتل بيروت العاصمة ولم ينسحب من لبنان إلا بعد ثمانية عشر عاماً من الاحتلال عندما وجد نفسه أمام مقاومة وطنية بقيادة حزب الله فأخرجته ذليلاً مطأطأ الرأس، كما هزمته المقاومة عندما حاول احتلال لبنان مرة أخرى عام 2006م والعرب يتفرجون منتظرين متى يقضي الجيش الصهيوني على المقاومة الوطنية كما هو حالهم اليوم وموقفهم السلبي مما يجري في لبنان وقطاع غزة.

كل هذه الهزائم في التاريخ العربي المعاصر هي التي جعلت الحكام العرب يحقدون على إيران ويحرضون عليها لأنها قامت بعمل عظيم في أيام قليلة ما لم يستطع العرب بجيوشهم الجرارة وثرواتهم الهائلة القيام به خلال ثمانية وسبعين عاماً تخللتها عدة حروب مع إسرائيل، فشعروا بالعار يلاحقهم أمام شعوبهم.

​ولذلك فقد لجأوا إلى التشكيك في موقف إيران من القضية الفلسطينية ودعم محور المقاومة الوطنية العربية في فلسطين ولبنان وعمان والعراق واليمن، ومما زاد من حنقهم وغيظهم على إيران أنها استطاعت بمفردها وبقدراتها الذاتية المصنعة محلياً أن تواجه أقوى قوتين نوويتين في العالم والمنطقة؛ أمريكا وإسرائيل، ورغم الدمار الذي لحق بها فقد خرجت منتصرة عسكرياً وبالمفاوضات التي تم فيها الاتفاق على إنهاء الحرب في كل الجبهات بما في ذلك لبنان بشهادة الأعداء في أمريكا وإسرائيل ووسائل الإعلام الأوروبية، وقالت إيران كلمتها بالنسبة لمضيق هرمز الذي كان المعتوه ترامب يصر على السيطرة عليه وإدارته أمريكياً، وضربت كل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة التي شكلت منطلقاً للعدوان عليها، وأثبتت إيران من خلال العدوان الأمريكي – الإسرائيلي أن أمريكا ليست ذلك البعبع الذي يرهب الخائفين والتابعين ولا يمكن مواجهته، كما أثبتت إيران أنها دولة مؤسسات قوية لا تتأثر بمقتل قياداتها إلى جانب التفاف الشعب الإيراني حول نظامه الإسلامي بما في ذلك من كانوا يشكلون معارضة له، وهنا تكمن العظمة وعليه فقد اخترت عنوان هذا المقال ليكون: إيران.. ليس أبدع مما كان.