الدعسة الناقصة: حصل ما حذرنا منه… ورقة انتصار لنتنياهو والثنائي خارج الدولة؟!
ميخائيل عوض / لبنان

*الورقة ليست اتفاقًا… بل إعلان انحياز غيّر قواعد الاشتباك*
إن توقيع ورقة الخيانة بين بعض السلطة اللبنانية والإسرائيلي لم يكن مفاجئًا، بل كان الحلقة الأخيرة في مسار سياسي بدأ منذ وقف إطلاق النار، واستكمل بانتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل الحكومة، والتعيينات الإدارية والأمنية التي يعتبر أنها جاءت ضمن رؤية أمريكية متكاملة لإعادة تشكيل السلطة اللبنانية.
ومن هذا المنطلق، فإن توقيع الوفد اللبناني على الورقة لم يكن مجرد خطوة تفاوضية، بل لحظة مفصلية أعلن فيها جزء من السلطة انحيازه الكامل للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.
وأن أخطر ما جرى ليس مضمون الورقة بحد ذاته، وإنما الرسالة السياسية التي حملتها، لأنها أعطت إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ما كان يبحث عنه منذ بدايةالحرب؛ انتصارًا سياسيًا يعوض كل إخفاقاته العسكرية، ويتيح له الادعاء بأن لبنان الرسمي بات يسير في الاتجاه الذي تريده تل أبيب وواشنطن.
*الدعسة الناقصة… كسر التوازنات وإخراج الثنائي من معادلة الحكم*
فإن الحكومة ارتكبت ما حذر منه مرارا “الدعسة الناقصة”، وهي خطوة يعتبر أنها كسرت التوازنات التي حكمت النظام اللبناني طوال السنوات الماضية. فالورقة، لم تستهدف فقط ملف السلاح أو العلاقة مع إسرائيل، بل وجهت ضربة مباشرة للتفاهمات السياسية التي قامت عليها الشراكة الداخلية، وأسقطت عمليًا الضمانات التي كان الثنائي الشيعي يعتبر أنها تشكل أساس مشاركته في السلطة.
وأن الرسالة الأمريكية كانت واضحة: لا احتكار لتمثيل الطائفة الشيعية، ولا حصانة سياسية لأي فريق، ولا قيمة لأي تفاهمات داخلية عندما تتعارض مع المشروع الأمريكي. ومن هنا فإن الورقة فتحت الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم الخريطة السياسية اللبنانية بالكامل، وإقصاء القوى التي حمت لبنان وأمنت بقاء منظومته.
*الجيش اللبناني… هل أصبح القرار العسكري تحت المظلة الأمريكية؟*
ومن أخطر النقاط عن المؤسسة العسكرية، فإن النفوذ الأمريكي داخل الجيش اللبناني بلغ مستوى غير مسبوق، وأن الولايات المتحدة باتت تمارس تأثيرًا مباشرًا على القرار العسكري عبر برامج الدعم والتنسيق والقيادات المرتبطة بهذا التعاون.
وانطلاقًا من هذا التصور، نحذر من أن المطلوب، هو تحويل الجيش إلى الأداة التنفيذية للمشروع السياسي الجديد، بحيث تصبح المواجهة داخلية تحت عنوان تنفيذ الالتزامات الواردة في الورقة، بدلاً من أن تبقى المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.
وأن هذا المخطط، يضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار تاريخي، لأن أي صدام داخلي ستكون له تداعيات تتجاوز السياسة إلى بنية الدولة نفسها ووحدتها الوطنية. وهو ما نرى أنه لن يحصل ولا يملك عوامل افتراض حصوله.
*ورقة لا تساوي الحبر الذي كتبت به… لأن الميدان هو الذي يكتب الاتفاقات*
إن قيمة أي اتفاق لا تقاس بما يكتب على الورق، وإنما بما يفرضه ميزان القوى على الأرض. ولذلك يصف الورقة بأنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به إذا لم تستند إلى وقائع ميدانية تفرض تنفيذها.
وأن تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي مليء بالاتفاقات التي بدت في لحظة توقيعها إنجازات سياسية، لكنهاع سرعان ما انهارت عندما تغيرت موازين القوى. فالورقة، قد تمنح مكاسب إعلامية مؤقتة، لكنها لا تستطيع تغيير معادلات القوة إذا بقيت الأطراف القادرة على فرض الوقائع متمسكة بأوراقها.
*أوسلو شاهد… والتجربة السورية إنذار*
ولإثبات عدم جدوى هذا النوع من الأوراق، لنعود إلى التجربة الفلسطينية، فإن اتفاق أوسلو كان أكبر وأقوى بكثير من الورقة اللبنانية الحالية، فقد وقع برعاية دولية واسعة وبحضور قادة العالم، ومع ذلك انتهى إلى تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان وإضعاف السلطة الفلسطينية نفسها.
كما هو الواقع السوري، فإن غياب سلاح المقاومة في مناطق واسعة لم يمنع استمرار الغارات والاعتداءات الإسرائيلية، بل أدى إلى فتح شهية نتنياهو نحو المزيد من احتلال الاراضي السورية. ليخلص إلى أن المشكلة، ليست في السلاح، وإنما في المشروع الإسرائيلي الهادف إلى فرض هيمنة استراتيجية على المنطقة بأكملها.
*المعركة أكبر من لبنان… إنها معركة على المشرق كله*
فالورقة ضمن مشروع جيوسياسي واسع هدفه السيطرة على بلاد الشام والعراق، والتحكم بخطوط النفط والغاز، وإقامة منظومة أمنية واقتصادية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يقطع الطريق على الصين ومشروع “الحزام والطريق”، ويحد من النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة.
ومن هنا نرى أن لبنان ليس سوى ساحة من ساحات هذه المواجهة، وأن ما يجري فيه يرتبط مباشرة بما يحدث في إيران واليمن والعراق وسوريا، ولذلك فإن أي قراءة محلية منفصلة عن المشهد الإقليمي ستكون، قراءة قاصرة.
*لا تحسمها البيانات… بل تحسمها موازين القوى*
إن المرحلة المقبلة لن يحددها نص الورقة ولا التصريحات الرسمية، بل ردود الفعل السياسية والشعبية، وموقف القوى الأساسية في الداخل، إضافة إلى مسار الحرب الإقليمية المفتوحة.
وأن التاريخ يثبت أن الحروب الوجودية لا تنتهي بالبيانات ولا بوقف إطلاق النار، وإنما بخروج طرف منتصر وآخر مهزوم، وأن ما يجري اليوم لا يزال جزءًا من حرب لم تصل إلى نهايتها بعد.
ان ما يراه البعض انتصارًا سياسيًا قد يتحول إلى بداية أزمة كبرى إذا أثبتت الوقائع أن الورقة لم تستطع تغيير موازين القوى، وأن الشعوب والقوى التي تمتلك عناصر القوة قادرة على إسقاط أي مشروع لا يستند إلى توازنات حقيقية. لذلك ندعو إلى انتظار ما ستنتجه التطورات الميدانية، وأن الميدان وحده هو الذي يمنح الشرعية للاتفاقات أو يسقطها، أما الأوراق، مهما بدت كبيرة، فإنها تبقى بلا قيمة إذا اصطدمت بوقائع القوة على الأرض.
🖋 ميخائيل عوض




