الأحد - 28 يونيو 2026

معظم المآسي التي شهدتها المنطقة رُفعت تحت شعارات الوحدة العربية والإسلامية والخوف من الشيعة

منذ ساعتين
الأحد - 28 يونيو 2026

د. علي المؤمن ||

 

 

وما هي الوسائل والأساليب الناجعة لتحقيق التقريب والتفاهم بين المسلمين حسب رؤيته؟

متابعات/

ظلت قضية الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب الإسلامية من أهم القضايا التي شغلت بال العلماء والمفكرين والباحثين والقادة في مختلف البلدان الإسلامية. وقد عُقدت من أجلها مؤتمرات وندوات ولقاءات عديدة، إلا أنها لم تفضِ في معظمها إلى نتائج حقيقية وفاعلة على أرض الواقع.
وقد تناول المفكر الإسلامي الدكتور علي المؤمن هذه القضية بدقة وموضوعية، قائلاً:

“لا يختلف عاقلان في أنّ الوحدة الإسلامية الواقعية حاجةٌ ملحّة وضرورة مصيرية، تضمن التعايش الحقيقي بين المكوّنات المذهبية الإسلامية والقومية والمجتمعية في البلد الواحد، وبين أتباع المذاهب الإسلامية في العالم، ولا سيما في العالم الإسلامي، كما تضمن الاستقرار المجتمعي والنمو المستدام على مختلف الصعد. إلّا أنّ مفهوم الوحدة الإسلامية، الذي يكرّس في الوقت نفسه قاعدة الوحدة الوطنية، يبدو وكأنّه مفهوم طوباوي فضفاض لا قيمة عملية له؛ وذلك بسبب تعارض الأهداف والسلوكيات المجتمعية الطائفية للمكوّنات المذهبية والقومية في البلد الواحد من جهة، وعقيدة الدولة الطائفية وسياساتها القائمة على تهميش بعض المكوّنات والتمييز بين المواطنين على أساس المذهب أو القومية من جهة أخرى؛ فيصبح هناك مواطن من الدرجة الأولى، وآخرون من الدرجتين الثانية والثالثة.”

ثم يتحدث عن وجود اتجاهين انفعاليين غير واقعيين في نظرتهما إلى مفهوم الوحدة الإسلامية والحاجة إليها. فالاتجاه الأول يرى أنّ الخلافات العقيدية والمذهبية والتاريخية والطائفية السياسية بين الشيعة والسنة خلافات شكلية وليست جوهرية، ويبني على هذه المقدمة دعوته العاطفية والانفعالية إلى الوحدة الوطنية بين المكوّنات المختلفة مذهبياً، والوحدة الإسلامية بين عموم المسلمين.

أما الاتجاه الآخر، فيرى ـ بحسب الدكتور المؤمن ـ:

“أنّ الاختلافات العقيدية والفقهية والطائفية السياسية بين الشيعة والسنة اختلافات جوهرية لا يمكن التقريب بين معتنقيها أو توحيدهم، وأنّ الافتراق بينهم نهائي، وأنّ الصراع مستمر حتى ينهار أحد طرفي الصراع الشيعي ـ السني. وتتبنى هذه الرؤية تيارات تنتمي إلى المدرستين السنية والشيعية، وهي تيارات متطرفة تعارض أي تقارب بين المدرستين، ولا تراه واقعياً أو ممكناً، ويبذل بعضها كل ما بوسعه لتغذية الفتن الطائفية واختلاق فتن جديدة، وكلاهما يشكل منظومة طائفية مستقلة.”

ويضيف الدكتور علي المؤمن:

“أما الرؤية الوسطية المعتدلة، فهي التي تدعو إلى الوحدة الإسلامية المنسجمة مع حركة الواقع، وتسعى إلى تحقيقها، وهو الخيار الذي يفرضه الإسلام، دين التوحيد والوحدة، الذي جاء للبشرية كافة؛ ليوحدها تحت لواء التوحيد.”

ثم يشير إلى حقيقة مهمة تختزل كثيراً من المآسي التي شهدها العالم الإسلامي، قائلاً:
.
“إنّ معظم ما يحدث من مآسٍ في البلدان الإسلامية ظل يحدث تحت شعار الوحدة الوطنية، والوحدة العربية، والوحدة الإسلامية القسرية، والخوف على الوطن والعروبة والإسلام من صحوة الأقلية المذهبية (الشيعة)، أو من حراك الأقليات القومية المهمشة ودفاعها عن وجودها وحقها في الحياة، ضمن ما تعارف عليه عقلاء البشر من حقوق وحريات وواجبات. ويعبّر طائفيو الأكثرية عن هذا الخوف باتهامات فضفاضة، لكنها مدروسة بعناية، مثل: الخيانة، والعمالة، والعبث بأمن البلد، والإرهاب، والخروج على الحاكم، وغيرها من العناوين المعلبة منذ مئات السنين.”

وينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن التقريب بين المذاهب وتوحيد جهودها في إطار المصالح الدينية العليا، والتعايش الوطني والإقليمي، مؤكداً أن هذه المهمة:

“لا تقتصر على النخبة الفقهية والعلمية والفكرية فحسب؛ بل تشمل المفكرين، والمثقفين، والكتّاب، والإعلاميين، والأكاديميين، والأدباء، والشعراء، والخطباء، والفنانين، وشيوخ العشائر، والوجهاء، والطلبة، والشباب، والنساء، فضلاً عن المؤسسات التي تضم هؤلاء، ومنها منظمات المجتمع المدني، وكذلك الحكام والسياسيون والقيادات الحزبية والتنظيمية. وإنّ إغفال دورهم المصيري هو السبب في عدم فاعلية فكرة التقريب بين المذاهب، والإبقاء عليها في حدود المقولات النظرية والجهود العلمية، دون أن تتحول إلى واقع ميداني في مجتمعات المذاهب.”

ويختصر الدكتور علي المؤمن رؤيته لوحدة المسلمين بكلمتين فقط، هما:
.
“التعايش” و”الشراكة”، انطلاقاً من المشتركات الواقعية في المجالات العقيدية والإقليمية والوطنية، بما يفرض التعايش الاجتماعي والسياسي والمذهبي، والمساواة في الحقوق والحريات، والمواطنة المتكافئة، والشراكة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

كما يتناول خمسة جوانب أساسية ومتكاملة لتحقيق وحدة التعايش والشراكة بين المسلمين،
 وهي: الجانب النفسي، والإعلامي، والاجتماعي، والسياسي، والعلمي.

ويؤكد أن:

“عملية التقريب تستند إلى مجموعة من الوسائل والآليات، أهمها:

1- انفتاح النخب العلمية والدينية والفكرية والأكاديمية والثقافية في المذاهب الإسلامية على بعضها.

2- إيجاد مساحات مشتركة للقاء العقدي والفقهي والتفسيري والروائي بين المذاهب الإسلامية.

3- احترام مساحات الاختلاف في المجالات العقيدية والفقهية والثقافية والسياسية، والإقرار بأنها أمر طبيعي.

4- تجاوز الخطاب الطائفي ولغة التشكيك والعداء والتنافر.

5- تركيز التفكير على واقع الأمة الإسلامية ومستقبلها، والتحديات العقيدية والثقافية والسياسية والاقتصادية المشتركة التي تواجهها، بما يفعّل آليات التكامل والتكافل والتعاون التي يدعو إليها الإسلام.”

ونحن بدورنا نرى أن كثيراً من الدعوات التي رُفعت تحت عنوان التقريب والوحدة بين المسلمين لم تكن، في الغالب، صادقة في مقاصدها، ولم تشمل جميع المذاهب الإسلامية، ولا سيما مذهب أهل البيت (عليهم السلام). ولذلك، فإن تحقيق تقارب حقيقي ومستدام يتطلب تغيير العقليات والسياسات التي تدير كثيراً من البلدان الإسلامية، وإرساء مبدأ المواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل بالحقوق، وإلا فإن الحديث عن الوحدة سيبقى مجرد شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع.
.