الادانة مدانة، وهي خيانة وإهانة.. بوصلة المواقف..!
جليل هاشم البكاء ||

ليست كل إدانة موقفًا أخلاقيًا، فهناك إدانات تتحول إلى غطاء لتبرير اختلال موازين القوة، وإلى وسيلة لإلقاء اللوم على من يرى نفسه في موقع الدفاع عن النفس، بينما يغيب الحديث عن الأسباب التي أدت إلى التصعيد. ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الرأي أن إدانة الردود العسكرية الإيرانية على الهجمات التي تنطلق من قواعد أمريكية موجودة في بعض الدول العربية تمثل قلبًا للحقائق، لأنها تركز على رد الفعل وتتجاهل الفعل الذي سبقه.
ويذهب هذا الرأي إلى أن من يعتبر استهداف تلك القواعد انتهاكًا لسيادة الدول التي تستضيفها، يتجاهل سؤالًا أكثر جوهرية: ماذا عن السيادة عندما تُستخدم أراضي تلك الدول ومنشآتها العسكرية من قبل قوة أجنبية في عمليات تستهدف دولة أخرى؟ وهل تبقى السيادة مصونة إذا تحولت الأرض إلى منصة لإطلاق النار، ثم تصبح مقدسة فقط عندما يأتي الرد؟
وفق هذا المنظور، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقع أولًا على الحكومات التي سمحت، أو وافقت، أو عجزت عن منع استخدام أراضيها في صراعات إقليمية، لأنها بذلك جعلت بلدانها جزءًا من المواجهة، وفتحت الباب أمام احتمالات الرد العسكري. ولذلك فإن توجيه الإدانة إلى الطرف الذي يرد، مع تجاهل الظروف التي سبقت ذلك، يُعد في نظر أصحاب هذا الرأي موقفًا غير متوازن.
كما يرى هذا الاتجاه أن الدفاع عن النفس حق تعترف به قواعد القانون الدولي في ظروف معينة، وأن أي نقاش قانوني أو سياسي ينبغي أن يشمل جميع الأطراف وأفعالها، لا أن يقتصر على إدانة طرف واحد مع إغفال السياق الكامل للأحداث.
إن الإدانة التي تتجاهل أصل المشكلة، وتكتفي بإدانة نتائجها، ليست في نظر أصحاب هذا الرأي موقفًا شجاعًا، بل تعبير عن ازدواجية في المعايير. فالسيادة لا تُختزل في لحظة الرد، وإنما تبدأ من منع استخدام أراضي الدول للإضرار بالآخرين، وحماية القرار الوطني من الارتهان لأي قوة خارجية.
وعندما يصبح المدافع وحده موضع الاتهام، بينما يُغض الطرف عن الظروف التي دفعته إلى الرد، فإن الإدانة تفقد معناها الأخلاقي، وتتحول – في نظر من يتبنى هذا الموقف – إلى إهانة لمبدأ العدالة، وإلى موقف يعكس الضعف السياسي والتردد أكثر مما يعكس الحرص على الأمن والاستقرار. فالأمن الحقيقي لا يتحقق بإدانة ردود الأفعال وحدها، بل بمعالجة الأسباب التي تشعل الصراعات، وباحترام سيادة جميع الدول دون استثناء أو انتقائية.




