الأحد - 28 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
الأحد - 28 يونيو 2026

قاسم الغراوي ||

 

 

 

إذا استمرت المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران في محيط مضيق هرمز فإن المنطقة ستكون أمام واحدة من أخطر الأزمات البحرية.

اذ لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تعبره ناقلات النفط، بل أصبح اليوم خط تماس مباشر بين مشروعين استراتيجيين متنافسين: مشروع أمريكي يسعى إلى ضمان حرية الملاحة وحماية تدفق الطاقة العالمية، ومشروع إيراني يرى أن أمن المضيق وسيادته جزء لا يتجزأ من أمنه القومي وموقعه الإقليمي.

ومع تجدد الاشتباكات والقصف المتبادل تتجه الأنظار إلى هذا الشريط البحري الضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. فكل صاروخ أو طائرة مسيرة أو حادث استهداف لسفينة لا يمثل حادثاً عسكرياً معزولاً، بل يحمل في طياته رسالة سياسية واقتصادية قد تمتد آثارها إلى أسواق المال والطاقة في مختلف أنحاء العالم.

المشهد الحالي يكشف أن الطرفين يحاولان إدارة التصعيد دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب مفتوحة في الخليج ستكون باهظة الكلفة عسكرياً واقتصادياً، بينما تعلم إيران أن إغلاق المضيق بالكامل أو استهداف الملاحة الدولية بصورة واسعة قد يدفع إلى تشكيل تحالف دولي واسع ضدها.

إلا أن المشكلة تكمن في أن الحروب لا تشتعل دائماً بقرار سياسي، بل قد تنفجر نتيجة خطأ في التقدير أو حادث ميداني غير محسوب ، فكلما ازدادت القطع البحرية والطائرات المسيّرة والقوات العسكرية في مساحة جغرافية ضيقة ارتفعت احتمالات وقوع مواجهة تتجاوز حدود الردع التقليدي.

ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: استمرار الاشتباكات المحدودة وفق قاعدة “الضربات المتبادلة” مع الحرص على إبقاء خطوط الملاحة مفتوحة نسبياً وهو السيناريو الأكثر احتمالاً لأنه يحقق للطرفين رسائل القوة دون الانزلاق إلى حرب واسعة.

السيناريو الثاني: تصعيد تدريجي يؤدي إلى تعطيل جزئي لحركة الملاحة وارتفاع كبير في أسعار النفط والتأمين البحري بما ينعكس على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.

السيناريو الثالث: خروج الأحداث عن السيطرة نتيجة خطأ عسكري أو سوء تقدير لتتحول الأزمة إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تمتد إلى قواعد عسكرية ودول خليجية ومناطق أخرى في الشرق الأوسط وهو السيناريو الأقل احتمالاً لكنه الأخطر.

في النهاية يبقى مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري؛ إنه ميزان حساس للقوة الدولية وأي شرارة فيه قد تتحول إلى أزمة عالمية تتجاوز حدود الخليج.
ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكون اختباراً لقدرة الدبلوماسية على احتواء التصعيد ولقدرة الردع المتبادل على منع الانفجار الكبير.
فالمواجهة اليوم لا تدور فوق مياه مضيق هرمز فحسب، بل على مستقبل الأمن الإقليمي واستقرار الاقتصاد العالمي بأسره.