الهُدنة التي لم تصمد .؟!
طه حسن الأركوازي ||

لم يمضِ وقت طويل على إعلان التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران حتى عادت لغُة الطائرات والصواريخ والمُسيّرات لتفرض نفسها على المشهد الإقليمي ، في تطور يعكس هشاشة التفاهمات التي أُبرمت بين الطرفين ، ويُؤكد أن جذور الصراع لا تزال أعمق من أن تُعالج بأتفاقات مُؤقتة أو تفاهُمات ظرفية .
فالتصعيد الأخير وما تبعه من تبادل للضربات والاتهامات لا يمكن قراءته بوصفه حادثاً عسكرياً معزولاً أو خرقاً فنياً لبنود تفاهم سابق ، بل هو مُؤشر على أستمرار صراع الإرادات بين قوتين تُدرك كُل منهما أن النفوذ في الخليج لا يُقاس فقط بحجم القوة العسكرية ، وإنما بالقُدرة على التحكم بالممرات البحرية الحيوية ، وخطوط الطاقة ، والتوازنات الجيوسياسية التي ترسم مستقبل المنطقة .
إيران ترى في الضربات الأمريكية أنتهاكاً للتفاهم الذي كان من المُفترض أن يحد من التصعيد ، وتُؤكد أن ردها يأتي في إطار الدفاع عن سيادتها وفقاً للقانون الدولي ، وفي المقابل تعتبر واشنطن أن عملياتها العسكرية جاءت رداً على تهديدات أستهدفت أمن الملاحة الدولية ، وأن حماية حركة التجارة والطاقة تُمثل جُزءاً من مسؤولياتها الاستراتيجية في المنطقة ، وبين هاتين الروايتين ، تبقى الحقيقة الأبرز أن منطق الردع المُتبادل عاد ليتقدم على منطق الاحتواء السياسي .
ويكشف هذا المشهد أن الصراع بين واشنطن وطهران لم يعد يدور حول حادثة أمنية أو خلاف عابر ، بل يتعلق بإعادة صياغة موازين القوة في الشرق الأوسط ، فالخليج العربي ، ومضيق هرمز على وجه الخصوص لا يزالان يُمثلان أحد أهم مفاتيح الأمن الاقتصادي العالمي ، وأي أضطراب فيهما ينعكس مُباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية ، وهو ما يجعل هذا الممر البحري نقُطة أرتكاز في الحسابات الاستراتيجية لجميع القوى الفاعلة .
ومن زاوية تحليلية ، تبدو التحركات الأمريكية جُزءاً من سياسة تهدف إلى تقليص قُدرة إيران على أستخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط أستراتيجية عبر تعزيز حضورها العسكري وشراكاتها الأمنية مع دول المنطقة ، وتأكيد حرية الملاحة في الممرات البحرية .
وفي المقابل ، تنظر طهران إلى هذه التحركات بأعتبارها محاولة لتطويق نفوذها وتقليص أدوات الردع التي بنتها خلال العقود الماضية ، الأمر الذي يدفعها إلى إظهار أستعدادها للرد وعدم القبول بتغيير قواعد الاشتباك من طرف واحد .
أما إسرائيل ، فتُتابع هذا التصعيد بوصفه أمتداداً للصراع مع إيران ، وتسعى إلى أستثمار أي ضغط دولي أو إقليمي من شأنه الحد من القُدرات العسكرية الإيرانية وتقليص نفوذها الإقليمي .
وفي المقابل ، تحاول إيران المُحافظة على شبكة نفوذها بأعتبارها أحد عناصر توازن الردع ، الأمر الذي يجعل المشهد أكثر تعقيداً من مُجرد مُواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران .
ولعل أكثر ما يُثير القلق هو أن دول الخليج تجد نفسها مُجدداً أمام أختبار دقيق بين مُقتضيات الأمن الوطني ومُتطلبات التحالفات الدولية في ظل إدراكها أن أي توسع للمُواجهة ستكون له أنعكاسات مُباشرة على أمنها وأستقرارها وأقتصاداتها .
كما أن أي أستهداف للأراضي أو المنشآت المدنية ، أياً كان مصدره يُمثل تطوراً خطيراً يُهدد بتوسيع رقُعة الصراع ، وهو ما يُفسر الدعوات المُتزايدة إلى ضبط النفس وتجنب الانزلاق نحو مُواجهة مفتوحة .
ومن الواضح أن المنطقة تعيش مرحلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية ، فالعقوبات المفروضة على إيران ، والضغوط الأمريكية المُستمرة ، والاعتبارات الأمنية الإسرائيلية ، جميعها تُشكل عناصر ضغط مُتزامنة تدفع طهران إلى التشدد في الدفاع عن مصالحها ، فيما ترى واشنطن وتل أبيب أن أستمرار هذا الضغط يُمثل وسيلة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط وفق مُعادلات جديدة .
ومع ذلك ، فإن التجارب السابقة أثبتت أن التصعيد العسكري مهما بلغ حجمه لا ينجح وحده في إنتاج أستقرار دائم ، كما أن سياسة الردود المُتبادلة كثيراً ما تؤدي إلى توسيع دائرة المخاطر دون أن تحقق تسوية حقيقية ، ولهذا فإن أستمرار الاعتماد على القوة وحدها سيبقي المنطقة أسيرة أزمات مُتكررة تتغير فيها أدوات المُواجهة بينما تبقى أسبابها الجوهرية قائمة .
في المُحصلة .. إن ما نشهده اليوم لا يبدو بداية حرب شاملة بقدر ما يعكس أستمرار حرب باردة مُتعددة الأدوات ، تتداخل فيها القوة العسكرية مع العقوبات الاقتصادية ، والضغوط الدبلوماسية ، والحروب السيبرانية ، والصراع الاستخباري ، والنفوذ الإقليمي ، وهي حرب قد تستمر سنوات طويلة دون إعلان رسمي ، لكنها تظل قادرة في أي لحظة على التحول إلى مواجهة أوسع إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير حساباته .
ويبقى السؤال الأهم هو هل تنجح القُوى الدولية والإقليمية في أحتواء هذا المسار قبل أن يفقد الجميع القُدرة على التحكم به ، أم أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة جديدة تُدار فيها الأزمات على حافة الحرب ، دون أن يمتلك أي طرف القدرة على حسمها أو إنهائها بصورة نهائية ، ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد مُستقبل المنطقة خلال السنوات المقبلة …!




