السبت - 27 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
السبت - 27 يونيو 2026

د. سارة سلام ||

 

 

لفتني الطرح التاريخي الذي يقدمه الباحث المصري الدكتور إبراهيم العسال، والذي يتناول واقعة كربلاء بعيدًا عن الاصطفاف المذهبي، منطلقًا من قراءة تاريخية تحاول التمييز بين الروايات المبكرة وما أُضيف إليها في الأزمنة اللاحقة.

يصف العسال واقعة كربلاء بأنها فاجعة كبرى في تاريخ المسلمين، وأن مقتل الحسين بن علي جريمة ومأساة لا يختلف المسلمون في فداحتها، ويدعو إلى دراسة الحدث في سياقه السياسي والتاريخي، والاستفادة من دروسه الأخلاقية والسياسية بدل أن يبقى سببًا لاستدامة الانقسام المذهبي.

ولا أطرح هذا بوصفه الرأي الوحيد، ولا البحث الوحيد، لكنه من الطروحات التي تستحق المتابعة، خاصة لمن هم مثل كثير منا، هواة في قراءة التاريخ، لا متخصصون فيه؛ فالتاريخ الذي نختلف عليه هو في الوقت نفسه التاريخ الذي نحتاج إلى قراءته بوعي أكبر.

وعندما نعود إلى واقعة الطف، نجد أن المصادر الإسلامية، على اختلاف اتجاهاتها، تتفق على جوهر الحدث، وإن اختلفت في كثير من التفاصيل. فقد كان في مقدمة القتلى الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، وابن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، وهو ما منح الواقعة مكانة استثنائية في الوجدان الإسلامي.

ولم تكن كربلاء مجرد معركة انتهت بانتهائها، بل تحولت إلى رمز أخلاقي يتجاوز الزمان والمكان، يستحضر قيم التضحية والثبات ورفض الظلم، ولذلك بقي أثرها حاضرًا في الفكر الإسلامي والأدب والذاكرة الجمعية عبر القرون.

ولعل ما يميز كربلاء اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أنها بدأت تعبر حدود الانتماء المذهبي إلى فضاء إنساني أوسع، وأرى أن محاولات تغييبها أو حصرها في إطار مذهبي لم تمنعها من أن تتحول إلى قضية تستدعي الفضول والبحث وإعادة القراءة.

ومنذ اندلاع حرب غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، ازداد حضور رمزية كربلاء في الخطابات الفكرية والثقافية والإعلامية لدى أطراف متعددة، بوصفها رمزًا لرفض الظلم ونصرة المستضعفين، ولم يعد استحضارها مقتصرًا على البيئة الشيعية التقليدية، بل أصبح جزءًا من خطاب أوسع يتناول معنى الصمود والكرامة الإنسانية.

وما جرى في لبنان حتى لحظة إبرام الاتفاق المشبوه في العاشر من محرم 1448هـ، الموافق 26 حزيران 2026، يدفعني إلى تثبيت هذا التاريخ، لا بوصفه مجرد يوم في التقويم، بل باعتباره جزءًا من ذاكرة نحتاج إلى حفظها، لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على فهم حاضرها.

ويبقى الدرس الذي أقرأه في كربلاء أن رفض الظلم لا يسقط بالتقادم، وأن المواقف، مهما كانت كلفتها، هي التي تصنع الذاكرة؛ أما الحدود والأوطان، فقد أثبت التاريخ مرارًا أن بقاءها ارتبط دائمًا بتضحيات من دافعوا عنها بدمائهم.