السبت - 27 يونيو 2026

انتحار الهوية: كيف يتآمر مجتمع على نفسه؟!

منذ 3 ساعات
السبت - 27 يونيو 2026

 رياض الفرطوسي ||

 

 

 

في هذا الصيف القائظ الذي يبدو فيه الهواء ثقيلاً كأنه جدار من رصاص، يخيم على المشهد سبات اجتماعي غريب، مخدراً بوعود غدٍ أفضل لا يملك أحد من أدوات صناعته شيئاً. إنها لعنة “الانتظار”، ذلك السرير المريح الذي يفرشه العاجزون بانتظار معجزة تخلصهم، في حين أن الأمل في حقيقته ليس هبة تهبط من السماء، بل هو صناعة ثقيلة تتطلب وعياً وسلوكاً، لا خنوعاً واستسلاماً.

وهنا تبرز المفارقة التاريخية التي لطالما ناقشها علماء الاقتصاد السياسي فيما يعرف بـ “المرض الهولندي”، وهو المصطلح الذي صاغته مجلة The Economist عام 1977 لوصف كيف يمكن لاكتشاف الموارد الطبيعية أن يدمر الاقتصاد المحلي إذا لم يُبنَ فوق الأرض مؤسسات وإنسان واقتصاد منتج.

لقد أدركت هولندا مبكراً أن الثروة الحقيقية ليست في ما يُستخرج من باطن الأرض، بل في ما يُشاد فوقها، بينما بددت مجتمعات ريعية كثيرة عائدات النفط من دون أن تترك للأجيال القادمة سوى اقتصاد أحادي وموارد آخذة في النضوب، تحت وطأة طبقة حاكمة لا يوجد في مناهجها أدنى مستوى من التفكير في المصالح الاستراتيجية، بقدر تمسكها بالسلطة ونهب المقدرات.

هذا الضجيج السياسي والصخب الإعلامي ليس عفوياً، بل هو آلية تضليل وصدمة تهدف إلى تحويل الأنظار عن القضية الجوهرية، وهي مستقبل الثروة الوطنية وغياب الصناديق السيادية للاقتصاد ما بعد النفطي. وبدلاً من المواجهة، يقع الفرد في فخ الانتهازية السياسية؛

تماماً كالعقوبات الدولية المعقدة التي تشكل نظاماً من الإخضاع الدائم، حيث لا تهدف القوة المهيمنة إلى رفع العقاب بل إلى إبقاء المستهدفين في حالة خوف وترقب لتقديم مزيد من التنازلات، لأن رأس المال والفاعل السياسي في بيئة كهذه يصبح جباناً يبحث عن بيئة آمنة للمغامرة ويتحاشى الصراعات، لتنتهي الأمور بتبني مواقف رخيصة على الضد من مصلحة البلاد.

لكن الجريمة الأكبر والأكثر خبثاً لا تحدث عبر آلة الحرب التقليدية والصواريخ؛ بل عبر ما يمكن تسميته بـ “الإبادة البيضاء الناعمة”. إنها استراتيجية الموت البطيء والتآكل المنهك التي تفكك القيم الاجتماعية، وتضامنّ الناس، ونسيجهم المجتمعي.

إن خبراء هذا الموت الصامت يدركون أن تدمير مجتمع لا يتطلب قصفاً عشوائياً، بل يكفي تدمير البيئة الحاضنة للحياة؛ تلوث المياه، تعطيل الكهرباء، غياب الضمان الاجتماعي، وإغلاق الأفق، ليتحول البشر إلى كائنات تدور في حلقة مفرغة كالثيران في السواقي، يتساقطون في الشوارع والمنازل والمكاتب مثل طيور عمياء ترتطم بجدران صلبة، بلا دماء، ومن دون أن يدركوا من هو القاتل الحقيقي، رغم أن هوية الضحية واضحة للعيان.

تبدأ هذه الإبادة الناعمة بشل الذاكرة التاريخية العامة، من خلال تدمير وإهمال كل ما يربط الإنسان بماضيه من مكتبات وآثار ومتاحف، لأن فقدان تسلسل الأحداث يضيع بوصلة المجتمع ويجعله تائهاً في حاضره. وعندما يفقد المرء تواصله مع جذوره، يبدأ الضخ الإعلامي الممنهج في تلقينه أن أرضه وتاريخه هما مجرد صناعة وهمية لوفاق دولي حدث في القرن الماضي، وأن هويته مزحة تاريخية.

هذا التشكيك يمتد لخلخلة الشخصية نفسها، حيث يُقنع الفرد بأن مفاهيم الأصالة والجذور ليست سوى قيود رجعية، وأن البديل هو التماهي مع قشور الحداثة السطحية من صرعات الموضة والموسيقى، مدعوماً بوجوه إعلامية براقة تمرر السم في عسل الحوارات الأنيقة، ليُستبدل غناء الأجداد المليء بالشجن الصادق بمسخ مشوه، ويُقنع المجتمع بأن الهوية النقية يمكن الاستغناء عنها لصالح قيم استهلاكية عابرة.

هذا التفتيت الممنهج يتسلل إلى القوانين والدساتير التي تعمق الانقسام الجغرافي والعرقي، وتشكك حتى في النقاوة الثقافية للإنسان وتاريخه.

وهنا تبرز المقاربات الأنثروبولوجية المشبوهة التي تحاول ربط التعبيرات الشعبية الأصيلة بجذور غريبة؛ كربط رقصة “الهجع” بإيقاعات غجرية أو بطقوس راقصة تعود إلى مهاجرين من مجتمعات أخرى، بزعم أن حركة الجسد المرتعش كعصفور مذبوح تعكس قلقاً وجودياً وتاريخاً من الترحل والمنعطفات بدلاً من الاستقرار في المكان.

وحتى الرموز الحضارية العظمى مثل بابل، يتم تشويهها في الوعي الجمعي بناءً على نصوص قديمة تصفها بمدينة التشتت والخطيئة، لتبرير تخريبها وإهمالها وتحويلها إلى مكبات نفايات، تأكيداً لنبوءات الخراب بدلاً من الاحتفاء بها كرمز للتنوع الحضاري الإنساني. إنها الدوامة العاصفة التي تبتلع الوعي، حيث يجلس المجتمع تحت لهيب الصيف القائظ، يراقب تآكله البطيء، ويتواطأ بالصمت والانتظار على إبادة نفسه بنفسه.