السبت - 27 يونيو 2026

الماسونية: حين يتحدث الجهل عن “خزنة الأسرار”..!

منذ 3 ساعات
السبت - 27 يونيو 2026

ناجي علي أمهز ||

 

 

 

في حوارٍ جمعني بأحد “الأقطاب العظام المبجلين” في المحافل الماسونية، طرحت عليه تساؤلاً ملحاً: “لماذا لا تواجهون الحملات التي تشوه صورتكم؟ ولماذا لا تكشفون للعلن أن ما يُشاع عن الماسونية هو محض خيال، أو على الأقل أبعد ما يكون عن الحقيقة؟”.

جاءني الرد بابتسامة فلسفية تحمل دلالات عميقة: “نحن نشجع نشر هذه المعلومات المغلوطة؛ فالسر الكبير يوضع في خزنة محكمة، وللخزنة أرقام ومفاتيح، ثم توضع الخزنة في مكان مخفي.. وهكذا، كلما كثرت الضوضاء والأشياء المزيفة حول السر، تاه المتطفلون عنه أكثر”.

ثمة قولٌ آخر سمعته في أحد اللقاءات يختصر جوهر النقوش الماسونية وأسرارها؛ وهو أن الفلاسفة العظام الذين عرفتهم البشرية وغيروا وجه الحضارة، لم “يعثروا على المعرفة صدفةً على قارعة الطريق”، بل غاصوا في أعماق أفكارهم وعقولهم وأرواحهم، وأبحروا بعيداً في سبر أغوار الكون والإنسان بحثاً عن الحقيقة.

هذه المعرفة، التي كانت تُعد قبل قرون “هرطقة”، هي ذاتها التي أسست علم الاجتماع لشعوبٍ تجاوزت أعدادها المليارات، لكنها باتت تسير اليوم في مسارات منتظمة لا تصطدم ببعضها، مقارنةً بما قبل التاريخ المعاصر حين كانت الأعداد قليلة ومع ذلك لم تكن تخلو أيامها من الحروب والغزوات.

إن الفلسفة الكونية هي التي شقت طريق الإنسان نحو الفضاء، والفلسفة الاجتماعية هي التي صقلت إنسان اليوم، والسياسية هي التي شيدت أمماً وإمبراطوريات لا تغيب عنها الشمس، بينما أنتجت الفلسفة الاقتصادية توازناً تقبله العقول والنفوس.

منذ بداية التسعينيات، انكببتُ على دراسة أكثر من “نقش” يتعلق بالماسونية، وساهمتُ في وضع لوحات فكرية أضفت مرونة أكبر على مفاهيم “الماسونية الليبرالية” بطقوسها ودرجاتها.

هذه النقوش لم تكن مجرد رسوم عابرة، بل كانت أوراق عمل رصينة خضعت للدراسة من قبل أقطاب عظام لفك رموزها وربط أصولها بالتاريخ وأسراره، وبعلوم “هرمس” وصولاً إلى “الكابالا”.

لكن، في المقابل، نجد المشهد الإعلامي اللبناني اليوم يغرق في سطحية مفرطة؛ إذ تظهر عشرات المقابلات التي تتحدث عن الماسونية بجهلٍ مطبق، ولا يعرف المتحدثون عنها سوى اسمها وبعض الرموز التي باتت “مشاعاً”.

يفسرون تلك الرموز بسطحية وكأنهم يمتلكون وعياً يتجاوز عقولاً غيرت وجه التاريخ، أمثال: فولتير، جون لوك، مونتسكيو، بنجامين فرانكلين، جورج واشنطن، وصولاً إلى مارك توين، أوسكار وايلد، وآرثر كونان دويل.

نحن نتحدث عن قائمة تضم 90% من الشخصيات العالمية التي أثرت في مسار الإنسانية، بينما يصورهم الإعلام اللبناني كمجموعة من السذج الذين خُدعوا بهذا التنظيم.

يقدم الإعلام أشخاصاً يتحدثون عن الماسونية وكأنها “جمعية عادية” أو فكرة متراجعة، وفي الوقت ذاته، يستفيض المحلل نفسه لساعات في مدح عبقرية نابليون بونابرت، متناسياً أن نابليون كان ماسونياً لم يتجاوز الدرجة “السابعة”؛ ليس لضعفٍ فيه، بل لأن النخبة الماسونية حينها رأت فيه “رجل سلطة وقائد حرب”، والدرجات الرفيعة تُمنح عادةً لأهل الفكر لا لأصحاب السيف فحسب. وحين ننتقل إلى الشخصيات العربية، سنجد أن 90% من عمالقة النهضة كانوا ماسوناً، ومع ذلك يصر الإعلام على تسطيح الطرح وكأنهم يتحدثون عن “باعة متجولين” لا عن مهندسي فكر وبناء.

سأكشف لكم سراً ماسونياً صغيراً يوضح حجم التضليل التاريخي؛ فما يُعرف بـ”القسم السليماني” أو دعوة “البرهتية”، التي كُتب حولها أكثر من 4 ملايين نص باللغة العربية وحده، وذكرها ابن سينا والغزالي وابن عربي، لطالما صورها العقل العربي كطقس لسحر تسخير الجن لبناء هيكل سليمان.

الحقيقة التي يهرب منها العقل الجمعي هي أن أسماء “البرهتية” الثمانية والعشرين ليست أسماء جن، بل هي أسماء “الوزراء والمهندسين والعمال البنائين” الذين شيدوا الهيكل.

وبما أن العقل العربي رفض الاعتراف بعبقرية “البنائين” (الماسون) وقدرتهم البشرية على الإعجاز المعماري باستخدام الرخام وأرز لبنان، فقد نسب الإنجاز لقوى غيبية، محولاً أسماء البشر المحترفين إلى أسماء ملوك من العالم الآخر كي لا يقر بفضل هؤلاء الماسون.

واليوم قد تجد اكثر من مائة مليون انسان يحملون تعويذة “البرهتية” لتحميهم من السحر وتسهل اعمالهم وافعالهم.

إن الماسونية التي وضعت دستورها الرسمي عام 1717، تمتد جذورها إلى ما قبل ذلك بعصور؛ ففرسان الهيكل في عام 1200 كانوا ماسوناً، وحتى الفراعنة حملوا هذا الفكر.

وفي العصور القديمة، حيث لم تكن هناك بطاقات ممغنطة أو هويات يصعب تزويرها، كان من السهل تزييف رسالة بختم ملكي في ظل بطء المراسلات. من هنا، ابتكر البناؤون “الماسونية العملية”؛ وهي حركات جسدية، ومصافحات سرية، وكلمات مرور معقدة. كانت هذه هي “الهوية المهنية” التي تميزهم عن غيرهم، ولا يمكن لأحد تقليدها ما لم يكن منتسباً مطلعاً، وبناءً عليها كان يحدد المنتسب اليها.

إن الفارق بين من يتحدث عن الماسونية في إعلامنا وبين الحقيقة، كالفرق بين “حلاق” يصف لك جمال شعر طفل واسم عائلته، وبين “عالم وراثة” يشرح لك التركيبة الجينية التي كونت هذا الكائن عبر العصور.

تاريخياً، كان الكتّاب يصفون الماسونية وصف “الأعمى” للوحة “الموناليزا”، أما اليوم، فما نشاهده هو أقرب لـ”أبكم” يحاول أن يقرأ عليك ملحمة “الإلياذة”.

وفي الختام، فإن المعرفة الحقيقية لنشوء الأديان والكيان الإنساني، وصولاً إلى أسرار “الأنوناكي” (التي بدأت الحكومات تلمح إليها اليوم عبر حديثها عن الأجسام الطائرة)، تكمن في جوهر الأسرار الماسونية التي لم يُسمح للعالم إلا برؤية قشورها، بينما يبقى المتحدثون في مجتمعاتنا يغردون خارج سرب الحقيقة والمعرفة الكاملة.