السبت - 27 يونيو 2026

ابنةُ عليّ… تُكمِل فصول النهضة..!

منذ 3 ساعات
السبت - 27 يونيو 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

 

بعد انجلاء الغبرة ظهيرة العاشر من محرم، راحت الحوراء زينب تسعى بين مصارع الأبطال، تتخطّى أجساد أحبّتها، تتمتم بحمد خالقها وشكره، وتندب العباس حزنًا، وتنادي يا حسين، وخلفها حشدٌ من اليتامى والأرامل، وفي كنفها حجةُ الله عليلٌ.

صلّت في ليلة وحشتها وغربتها صلاة الرضا، وأحكمت عُرى صبرها، واستنهضت مطايا عزمها، ثم حوّلت نظرها نحو السماء بسكينة العارفين، وأرجأت عبراتها إلى حين.

هي زينب… وكل همسةٍ باحت بها في محراب وحدتها، يوم وحشتها في طفّ النوى، استحالت شعاعًا أضاء دروب بنات الرسالة المفجوعات.

وما بقي معها غير مداد دماء أحبّتها، ادّخرته في قارورة عينيها، لتكتب به حروف القرب والرضا، فيما كانت نبضاتها ضارعةً مستسلمةً في جوف ليلها واضطرام نهارها.

أجل، أشعلت العقيلة شمعة صبرها ورضاها في ساحة الحرب، لتغرس نورها عند الأجساد الطاهرة. فما أدبرت مولولةً قط، وإنما أومأت بيد العهد لمواصلة المسير، والدموع تختبئ خلف جفنيها. ومضت تجرّ أذيال العزاء والعزّة برباطة جأش أمها الزهراء، لتواصل فصول النهضة الإصلاحية المقدسة، تلك الرحلة التي رسم الإمام الحسين “عليه السلام” خطوطها، واصطفاها الله لاستكمال رسالتها.

واستمدّت عزمها من بقية أهلها، إمام زمانها الإمام زين العابدين “عليه السلام”، وانبرت تكابد الجراح بثبات الموقٍنات، لتثبت أنّ الإخلاص ثمرةُ التوحيد، وأن الإرادة المؤمنة لا تنكسر أمام الرزايا، وأنه لا بدّ من مواصلة المسيرة بخطًى راسخة، ويقينٍ لا تلين معه عزيمة.

أخذت تخطّط وتُهيّئ لفصول مَهامّها الآتية، ولم تهجر محرابها، كما لم تستسلم لأحزانها، بل أخجلت البشرية بقوة بأسها، إذ لم تدع مجالًا لمقارنتها بألوف الرجال وأشباههم. لقد أعطت دروسًا في التوحيد وعشق الواحد الأحد، وتجلى كل ذلك حين تقدّمت بتؤدة نحو جسد أخيها وسيدها المعصوم، وهي تمدّ يديها تحت بقايا جسد العصمة، لترفع منه ما استطاعت نحو السماء قائلة:
«اللهم تقبّل منّا هذا القربان».

ثم مضت مُودِعةً قلبها عند أشلاء شهدائها، لتجسّد دروسًا أخرى في القيم الإلهية السامية، وتسجّل مصداقًا ناصعًا على واجهة الزمان، امرأةً بشموخ جبل، تقف قبالة جبهة الباطل وأعتى عتاة عصرها.

تسير سبيّةً تتقدّمها رؤوس رجالها فوق الرماح، ولم ترَ إلّا الجميل بعين البصيرة، حتى لكأنَّ سماءَ الطفوف قد أُطبِقت على رؤوس القوم، والجيش في ذهول.

إنها زينب… عباءة الصبر والقيادة، وبوصلة الأحرار في حفظ الأمانة وأداء الرسالة.

١١-محرم الحرام-١٤٤٨هـ
٢٧-حزيران-٢٠٢٦م