فلسفة حضور النساء والاطفال في النهضة الحسينية..!
اسعد عبد الله عبد علي ||

لم يكن خروج الإمام الحسين (ع) بعياله ونسائه إلى كربلاء، وهو يعلم يقيناً بمصيره الدامي ومقتله، مجرد قرار عائلي فرضته ظروف السفر، بل كان خطوة إستراتيجية متكاملة الأركان، وقراراً محورياً يمثل أحد أكثر الأبعاد عمقاً وإثارة للتساؤل, في الفلسفة التاريخية والعقائدية للثورة الحسينية، وهو الأمر الذي قُرئ بوجوه متعددة، وعكف على تحليله كبار علماء ومراجع المدرسة الإمامية عبر التاريخ, ليفككوا أسرار فلسفة الحضور النسائي في هذه النهضة، متقلبين بين التحقيق التاريخي والعمق الأصولي.
فعندما انطلق الإمام من المدينة ثم مكة يمم وجهه شطر العراق، كان يتحرك وفق رؤية إستراتيجية واضحة المعالم، قوامها التكليف والإصلاح، ولم تكن هذه الرؤية خافية على المخلصين من حوله؛ لذا سارع إليه وجهاء بني هاشم وشيوخ الصحابة والتابعين، كابن عباس ومحمد بن الحنفية، يقدمون نصحاً مشفقاً بدا في ظاهره منطقياً وعقلانياً بحسابات السياسة والحروب، ملحّين عليه بضرورة ترك النساء والأطفال في الحجاز لحمايتهم من بطش بني أمية ونكالهم، إلا أن جواب الإمام الحسين جاء حاسماً، ومزلزلاً لكل الحسابات المادية المألوفة حين قال: “إن الله قد شاء أن يراهن سبايا”.
وهنا يتجلى العمق المعرفي للمدرسة الإمامية في تفسير هذه “المشيئة”؛ فهي لم تكن يوماً جبراً إلهياً يسلب الاختيار أو قضاءً قهرياً يعطل الإرادة الإنسانية، بل هي مشيئة تشريعية وتكليفية واعية، تستهدف إرساء غايات إصلاحية كبرى وتأمين مستقبل الأمة، وهو هدف تيقن الامام الحسين أنه لا يمكن أن يتم، ولا أن تؤتي الثورة ثمارها، دون وجود هذا العنصر النسائي، ليكون الحضور الزينبي والعائلي بمثابة جبهة البيان والإعلام الكفيلة بتمزيق زيف المرويات الأموية، وتحويل فاجعة الطف من معركة موضعية منسية في عمق الصحراء، إلى نهضة إنسانية خالدة تتوارثها الأجيال في وعيها وضميرها.
وهنا نحاول ان نطرح كيف فسر العلماء الاعلام هذه الخطوة، نوزع الآراء بين جيل المحققين المتقدمين، وجيل مراجع النجف الأشرف المعاصرين:
• اولا: راي الشيخ المفيد (ت 413 هـ):
في قراءة معمقة لخطوات النهضة الحسينية، يتجلى مفهوم “الواجب الإنساني والمسار الاضطراري” كأحد أبرز الركائز التي تفسر اصطحاب الإمام الحسين (ع) لعائلته، وهي الرؤية التي صاغها الشيخ المفيد في كتابه العظيم “الإرشاد” مبيناً أن حركة الإمام كانت تتحرك ببراعة ودقة في مسارين متوازيين: الظاهر التشريعي والواقع السياسي المحيط به.
فمن جهة الواقع السياسي، فرض “الاضطرار الاجتماعي” نفسه كعامل حاسم في هذه الرحلة؛ إذ لم يكن للإمام الحسين في ذلك المنعطف التاريخي الخطير أي مكان آمن يلوذ به أو يترك فيه عياله ونساءه، بعد أن تحولت الحواضر الكبرى كالعاصمة الروحية المدينة المنورة ومكة المكرمة إلى ساحات مفتوحة لم تعد آمنة له ولا لأسرته من خطط الاغتيال الممنهجة وبطش وتهديد بني أمية، فصار خروجهم معه خياراً اضطرارياً لحمايتهم من الرهن والاعتقال والبطش.
ومن جهة المسار التشريعي والإنساني، كان أخذ العيال والنساء خطوة عبقرية ومقصودة لإتمام الحجة البالغة على أهل الكوفة والعالم الإسلامي قاطبة؛ ليرى الجميع بأعينهم، ومن دون أي لبس، أن الامام الحسين لم يخرج غازياً بجيش مدجج، ولا طالباً لسلطة دنيوية أو مكاسب سياسية عابرة، بل خرج بأهل بيته ونسائه وأطفاله مستنفراً للحق وقائماً بالإصلاح، مما ينفي عنه بشكل قاطع صبغة “المحارب المتمرد” التي حاول الإعلام الأموي الترويج لها، ويبرز في المقابل مظلوميته الصارخة التي هزت الضمير الإنساني, وأبقت القضية حية نابضة في وجدان التاريخ.
• ثانيا: راي الشيخ الطوسي (ت 460 هـ):
من منظار كلامي وأصولي دقيق، ينظر شيخ الطائفة الطوسي إلى حدث خروج العائلة الحسينية كركيزة أساسية في “صيانة الخط الرسالي وإسقاط الشرعية” عن السلطة الأموية، حيث تبرز حركة الإمام الحسين (ع) بوصفها معركة وجودية تنقسم بنيوياً إلى شقين متكاملين: شق عسكري ينتهي بالشهادة وتضحية الرجال في الميدان، وشق إعلامي تكميلي يبدأ فور انتهاء المعركة وسقوط الأجساد. فلو قدر للأمام الحسين أن يخرج وحده دون عياله، لتمكنت الماكنة الإعلامية الأموية الضخمة، بما تمتلكه من نفوذ وتزييف، من تشويه الحقائق بالكامل، ولقامت بادعاء أن تلك الثلة الطاهرة ليست سوى مجموعة من “الخوارج” والمتمردين الذين أُبيدوا في مجاهل الصحراء وطُويت صفحتهم دون أثر.
وهنا تجلى الدور التاريخي الخالد للسبايا؛ إذ إن وجود النساء، وعلى رأسهن عقيلة بني هاشم السيدة زينب (ع)، قد قلب موازين القوى تماماً وحوّل رحلة السبي من “صك ذل” وانكسار أراده الطغاة لإهانة بيت النبوة، إلى “منبر رسالي متنقل” يطوف الحواضر الإسلامية الكبرى كالكوفة والشام. لقد تحول صدى أصواتهن وخطبهن البليغة في مجالس الحكام وأزقة المدن إلى سوط يمزق زيف السلطة, ويكشف عوارها الأخلاقي والديني أمام عامة المسلمين، الأمر الذي هز عرش الأمويين في عقر دارهم، وضمن تخليد الثورة الحسينية, ومنع طمس معالمها، لتبقى نبراساً صان الخط الرسالي, وحفظ قيم الإسلام عبر الأجيال.
• ثالثا: راي السيد محمد سعيد الحكيم (ت 1443 هـ):
في قراءة تاريخية وتحليلية متميزة، يتجلى رأي المرجع الديني الراحل السيد محمد سعيد الحكيم (ت 1443 هـ) حول أبعاد القضية الحسينية، حول مفهوم “أصالة البناء الفكري للمجتمع”، إذ أولى السيد الحكيم اهتماماً استثنائياً وخاصاً في بحوثه الفقهية والتاريخية لـ “فاجعة الطف” الأليمة، مفككاً خلفياتها ونتائجها ليرى من خلالها أن قرار الإمام الحسين (ع) باصطحاب النساء والعائلة لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل كان بمثابة ضربة إستراتيجية قاتلة وجهت للفكر والمخطط الأموي بأكمله.
فالمجتمع الإسلامي في ذلك المنعطف التاريخي كان يعيش حالة حادة من التخدير الفكري والتبلّد الوجداني نتيجة السياسات القمعية والتضليلية المستمرة، وجاء مشهد اقتياد بنات رسول الله (ص) سبايا متنقلات من بلد إلى بلد ومن مجلس إلى مجلس ليحدث “صدمة وفضيحة أخلاقية” مدوية ومزلزلة هزت الوجدان الجمعي للمسلمين وأيقظتهم من سباتهم العميق.
ومن هنا يرى السيد الحكيم أن النساء والأطفال قمن بدور “المؤرخ الشاهد” على أكمل وجه؛ حيث أراد الامام الحسين من خلال وجودهم توفير شهود عيانيين يمتلكون أقصى درجات الصدق والموثوقية والقداسة لنقل أدق تفاصيل المجزرة ووحشيتها إلى الأمة دون زيادة أو نقصان، مما فوت على السلطة أي فرصة لتحريف الحقائق أو طمس معالم الجريمة، وهو الأمر الذي نجح في تقويض ونسف شرعية بني أمية الدينية والسياسية للأبد, وتحويل تضحية كربلاء إلى منطلق لبناء وعي مجتمعي أصيل لا يقبل التزييف.
• رابعا: راي السيد علي السيستاني (دام ظله):
تنطلق الرؤية الشاملة للمرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني، والمستلهمة من عمق الفكر الحسيني في خطاباته وتوجيهاته، من منظور يربط بين “ترسيخ القيم الإنسانية وحفظ الهوية” وبين الحضور الاستثنائي لعائلة الإمام الحسين (ع) في واقعة الطف؛ إذ يرى أن خروج النساء والأطفال لم يكن مجرد تفصيل جرى في جغرافيا المعركة، بل تمثل كونه صمام الأمان الحقيقي والوحيد لحفظ جوهر الإسلام ومنع تزييف الدين وعقيدته.
فالسيد السيستاني يؤكد أنه لولا تلك الخطب البليغة والمواقف الشجاعة التي صدحت بها السيدة زينب والإمام السجاد في معاقل القرار الأموي في الكوفة والشام، لتمكنت الماكنة الدعائية للسلطة من الالتفاف على الحقائق والضحك على عقول الأمة وتبسيط الجريمة، وضاع بالتالي دم الإمام الحسين وتضحياته بين القبائل باعتباره صراعاً سياسياً عابراً.
ومن هذا المنطلق، فان حضور العائلة الحسينية في قلب المعركة، ووقوف المرأة في قمة المأساة والاضطهاد كأرقى “نموذج وقدوة” للمجتمع؛ حيث استطاعت المرأة في كربلاء، وهي في أشد حالات الأسى ومع الحفاظ التام والصارم على كامل عفتها وحجابها ورسالتها، أن تقدم صياغة جديدة ومبتكرة للمجتمع الإسلامي حول مكانة المرأة القيادية والرسالية وقدرتها على التأثير في أحلك الظروف السياسية والاجتماعية.
إنها الفلسفة المرجعية العميقة التي تختصر هذا الحضور بوصفه عملية تاريخية واعية استهدفت بالدرجة الأولى “تحويل المعاناة الشخصية والأسرية الفادحة إلى نصر عقائدي وتاريخي للأمة” بأسرها، ليظل الهيكل القيمي للإسلام حياً وثابتاً في وجه عواصف التحريف.
• ختاما:
تأسيسًا على هذه القراءات الفكرية والتحليلية الممتدة عبر القرون، يتضح أن اصطحاب الإمام الحسين (ع) لعائلته إلى كربلاء لم يكن فصلاً ختاميًا لحياة فرد أو عائلة، بل كان الافتتاحية الكبرى لتاريخ جديد صُنع بوعي وإستراتيجية فائقة الأركان.
إن تضافر الرؤى بين جيل المحققين الأوائل والمراجع المعاصرين يلتقي عند حقيقة حتمية واحدة: وهي أن ثورة الطف لم تكن لتكتمل فصولها، ولا أن تؤتي ثمارها الإصلاحية، لولا ذلك التلاحم العبقرى بين شهادة الدم في الميدان ورسالة الصوت في الأسر.
لقد تحول وجود النساء والأطفال من دائرة المعاناة والاضطرار، إلى ميزان قيمي صان الهوية الرسالية للإسلام، وصدم ضمير الأمة المتبلد، وجرد السلطة الجائرة من كل مساحيق الشرعية الزائفة.
وفي نهاية المطاف، يبقى الخروج بالعقائل كاشفاً عن فلسفة حسينية خالدة، فلسفة نجحت بامتياز في صياغة دور المرأة القيادي والرسالي في أشد الساعات قتامة، محولة الفاجعة الشخصية والأسرية الفادحة إلى نصر عقائدي أزلي للأمة؛ نصر انتزع المأساة من غياهب رمال الصحراء المنسية، ليجعل منها قضية إنسانية نابضة، عابرة للأزمان، ومحصنة ضد كل محاولات الطمس والتحريف.




