الجمعة - 26 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
الجمعة - 26 يونيو 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

يشكل النفط العمود الفقري للإقتصاد العراقي، إذ تعتمد الموازنة العامة بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية؛ ومع تزايد الضغوط المالية وإرتفاع الإنفاق الحكومي والحاجة إلى تمويل مشاريع البنى التحتية والخدمات، عاد إلى الواجهة نقاش قديم يتعلق بجدوى إستمرار العراق ضمن منظمة أوبك، وإمكانية المطالبة بمراجعة السقوف الإنتاجية المفروضة عليه بما ينسجم مع قدراته الإنتاجية وإحتياجاته الإقتصادية، العراق اليوم يمتلك إحتياطيات نفطية هائلة تضعه في مصاف أكبر الدول النفطية في العالم، كما أن الحكومات المتعاقبة إستثمرت مليارات الدولارات في تطوير الحقول الجنوبية والوسطى والشمالية، لكن هذه القدرات الإنتاجية لا تنعكس بالكامل على حجم الصادرات بسبب إلتزامات العراق ضمن إتفاقيات أوبك وأوبك بلس الرامية إلى ضبط السوق العالمية ومنع إنهيار الأسعار.

الدعوات إلى مراجعة السقوف الإنتاجية تستند إلى عدة مبررات، أولها أن العراق خرج من عقود طويلة من الحروب والعقوبات والإضطرابات الأمنية التي حدّت من قدرته على إستثمار ثرواته الطبيعية، وبالتالي فإن من حقه، وفق أنصار هذا الرأي، الحصول على مساحة أكبر لزيادة الإنتاج مقارنة بدول إستقرت أوضاعها منذ عقود؛ كما أن الزيادة السكانية الكبيرة وتنامي إحتياجات الدولة المالية يفرضان البحث عن موارد إضافية لا يمكن توفيرها بسهولة في ظل إستمرار القيود الحالية.

في المقابل، فإن الإنسحاب من أوبك ليس قراراً سهلاً أو قليل الكلفة، فالمنظمة رغم الإنتقادات التي تواجهها، ما زالت تمثل إطاراً مهماً للتنسيق بين كبار المنتجين، وأي خروج عراقي منفرد قد يرسل إشارات سلبية إلى الأسواق العالمية، وقد يؤدي إلى توترات مع دول مؤثرة في سوق الطاقة، فضلاً عن إحتمال حدوث فائض في المعروض النفطي ينعكس سلباً على الأسعار، وهو ما قد يضر بالعراق نفسه أكثر مما يفيده.

كما أن تجربة بعض الدول التي غادرت أوبك لم تؤدِّ بالضرورة إلى مكاسب كبيرة، لأن العامل الحاسم لا يتعلق بحجم الإنتاج فقط، بل بمستوى الأسعار العالمية، فزيادة مليون برميل يومياً مع إنخفاض الأسعار قد تكون أقل فائدة من إنتاج أقل ضمن سوق مستقرة وأسعار مرتفعة نسبياً، السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في الإنسحاب الكامل من أوبك، بل في فتح حوار جاد داخل المنظمة لإعادة النظر في الحصص الإنتاجية ويمكن للعراق أن يستند إلى إحتياطياته الضخمة وإستثماراته الجديدة وإحتياجاته التنموية للمطالبة بمرونة أكبر تسمح له بزيادة تدريجية للإنتاج دون الإضرار بتوازن السوق.

ويبدو أن السنوات المقبلة ستشهد ضغوطاً متزايدة على جميع المنتجين التقليديين بسبب التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة والسياسات البيئية الجديدة، وهذا ما يدفع العديد من الخبراء إلى الإعتقاد بأن الدول النفطية، ومنها العراق، ستسعى إلى تعظيم الإستفادة من ثرواتها الهيدروكربونية خلال العقود المقبلة قبل أن تتراجع أهمية النفط تدريجياً في مزيج الطاقة العالمي، وفي ظل هذه المعطيات، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على البقاء في أوبك أو الإنسحاب منها، بل يجب أن يركز على كيفية إستثمار العائدات النفطية الحالية في بناء إقتصاد متنوع يقلل من الإعتماد شبه المطلق على النفط، فالمشكلة الأساسية ليست في حجم الإنتاج وحده، بل في طبيعة الإقتصاد العراقي الذي ما زال رهينة تقلبات السوق النفطية العالمية.

إن مراجعة السقوف الإنتاجية العراقية تبدو مطلباً مشروعاً من الناحية الإقتصادية، لكن تحقيقه يتطلب تفاوضاً ذكياً وتحالفات داخل أوبك أكثر مما يتطلب خيار الإنسحاب، فالعراق بحاجة إلى زيادة موارده المالية، لكنه بحاجة أيضاً إلى إستقرار الأسواق النفطية التي تؤمْن له الجزء الأكبر من إيراداته وبين هذين الهدفين تبقى الدبلوماسية النفطية هي الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق مصالح البلاد في المرحلة المقبلة.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع
٢٦ حزيران ٢٠٢٦