الانهيار بين الاستثمار والاعمار..!
رياض الفرطوسي ||

في السياسة، لا تموت الأفكار الفاشلة؛ إنها فقط تجري عمليات تجميلية وتغير أسماءها في بطاقات الهوية. قبل عقود، كان المشهد العراقي شديد الوضوح، أشبه بلوحة سريالية رُسمت بضربات فرشاة خشنة: شركات نفط أجنبية تستوطن الحقول، وحركة وطنية غاضبة تطالب باستعادة الأرض والسيادة. كانت المعادلة بسيطة، تصلح لملصق ثوري يعلق في الشوارع، طرف ينهب، وطرف يُنهب منه.
ثم جاءت لحظة “التأميم” الصاخبة، واحتفل الجميع وكأن التاريخ قد أعلن نهايته السعيدة؛ رُفع العلم، وامتلأت الحناجر بالهتاف، لكن تلك الفرحة كانت تخبئ في طياتها مأساة “المستبد العادل” الذي طالما حذر منه المفكر الكواكبي؛ فالنفط لم يذهب إلى مؤسسات دولة تحمي المواطن، بل صُبّ مباشرة في خزائن سلطة مطلقة، احتكرت السلاح والمال والوعي.
هكذا، وفي غفلة من الزمن، اكتشف العراقيون أن البئر الذي تحرر من سطوة الأجنبي، سقط تحت رحمة الحاكم وبات رهينة لنزواته.
بعد عام 2003، تبدلت المسرحية ودخلنا الفصل الثاني بلغة مغايرة تماماً. اختفت الأدبيات الثورية، وحلت محلها “لغة الأناقة النيوليبرالية” التي تفوح منها رائحة الفنادق الفخمة والمؤتمرات الدولية. صار الجميع يتحدث عن “الشراكات الاستراتيجية” و”جذب الرساميل”، في مشهد يذكرنا بما يصفه عالم الاجتماع زيجمونت باومان في أطروحته عن “الحداثة السائلة”، حيث تذوب الحدود وتتحول الأوطان إلى مساحات مفتوحة بلا حواجز.
المفارقة هنا أن الفساد المحلي كان هو “العرّاب” الحقيقي لهذا التحول؛ فالسياسي الفاسد لا يكتفي بهدم البنية التحتية، بل يقوم بتجريد الدولة من آخر دروعها السيادية، ليقدمها على طبق من ذهب إلى القوى الاقتصادية العابرة للقارات.
هنا، لم يعد الاستثمار مجرد حركة لرأس المال، بل تحول إلى ما يسميه المفكر إدوارد سعيد “الاستعمار الثقافي والاقتصادي الجديد”، حيث لا تحتاج الشركات العملاقة إلى إرسال دبابات لتقويض سيادة بلد ما، إذ تكفيها بضعة عقود طويلة الأجل تُوقع خلف الأبواب المغلقة، لتضمن السيطرة على القرار لقرون قادمة.
هكذا يجد المواطن نفسه داخل “مفارقة العجز”؛ فالدولة التي فشلت على مدار عقدين في تأمين أبسط مقومات الحياة كالكهرباء والماء، تأتي لتسوق فشلها على أنه “حجة للاستسلام”، وتحاول إقناع الضحية بأن المخلص الوحيد هو الشريك الأجنبي.
المشكلة هنا ليست في الاستثمار بحد ذاته، فالعالم كله يتحرك في شبكة من المصالح المتبادلة، بل المشكلة في “بنية الدولة المنهكة” التي تدخل المفاوضات وهي مثقوبة من الداخل؛ وحين يختل ميزان القوى، تصبح الكلمات مجرد فخاخ لغوية، فتتحول “السيادة” إلى تبعية مقنعة، و”الإصلاح” إلى إعادة تدوير للنفوذ، و”الاستثمار” إلى اسم مهذب لعملية ترحيل الثروة.
إننا ندور في حلقة مفرغة تشبه إلى حد بعيد لعنة “مئة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز، حيث تتغير الوجوه والشعارات، وتظل العزلة الفكرية والخراب ثابتين. لا يهم من يمسك بزمام الثروة اليوم، سواء كان جنرالاً، أو حزباً، أو كارتيلاً عابراً للحدود؛
فالقيمة الحقيقية لأي حراك اقتصادي لا تُقاس بالأرقام الفلكية المهربة إلى الخارج، بل بما يتركه في وجدان الأرض من مدارس، ومصانع، وفرص حياة حقيقية تليق بالإنسان. عندها فقط، يتضح لنا الفارق الجوهري بين “الاستثمار” كعملية قضم منظم للثروات، وبين “الإعمار” باعتباره الفعل الوجودي الفارق بين من يستخرج النفط ليملأ جيوبه، ومن يبني به وطناً متماسكاً.




