الإعلام في العراق وتحولات الخطاب القيمي- قراءة نقدية في ضوء رسالة الإمام الحسين عليه السلام..!
كاظم الطائي _Nor ||

تشهد المجتمعات المعاصرة، ومنها المجتمع العراقي، تحولات عميقة في بنية الوعي العام بفعل التوسع الكبير في الإعلام المرئي، وتحديدًا القنوات الفضائية التي أصبحت فاعلًا رئيسيًا في تشكيل الاتجاهات الفكرية والسلوكية. وقد أدى هذا التحول إلى بروز إشكاليات تتعلق بطبيعة الخطاب الإعلامي، وحدود تأثيره على المنظومة القيمية، ولا سيما في البيئات ذات الامتداد الديني الواضح مثل البيئة الإمامية.
إن بعض أنماط الإعلام المرئي، في ظل تنافسه على نسب المشاهدة والانتشار، بات يميل إلى الإثارة أو التبسيط المخل أو إعادة إنتاج محتوى لا ينسجم بالضرورة مع البنية الأخلاقية للمجتمع، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول دوره في تعزيز الوعي أو في إعادة تشكيله بصورة قد تُضعف المرجعيات القيمية التقليدية.
وفي هذا السياق، لا يمكن عزل هذا الواقع عن المنظومة القيمية التي تمثلها كربلاء بوصفها مرجعية فكرية وأخلاقية حاكمة في الوعي الإسلامي. فالإمام الحسين بن علي عليه السلام لم تكن حركته مجرد حدث تاريخي، بل كانت مشروعًا إصلاحيًا شاملًا هدفه إعادة بناء الإنسان على أساس الوعي والحرية والعدالة ورفض الانحراف.
وقد عبّر الإمام الحسين عليه السلام عن جوهر رسالته في قوله: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا… إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، وهو ما يؤسس لفهم عميق مفاده أن حركته لم تكن من أجل البكاء أو الاستهلاك العاطفي، بل من أجل إحياء القيم، وتصحيح المسار، وإعادة الإنسان إلى موقعه الأخلاقي والرسالي.
كما أن السيدة زينب عليها السلام مثلت الامتداد الواعي لهذه الرسالة، حين حوّلت مأساة كربلاء إلى خطاب مقاومة معرفي، أعاد تعريف الحدث في مواجهة محاولات طمسه أو تشويهه، لتصبح كربلاء مشروع وعي مستمر، لا ذكرى عاطفية منتهية.
وعليه، فإن استحضار الإمام الحسين عليه السلام في الواقع المعاصر لا ينبغي أن يُختزل في طقوس الحزن الظاهري، بل يجب أن يُفهم بوصفه دعوة دائمة للإصلاح والعمل والالتزام بالقيم التي استشهد من أجلها. فجوهر الثورة الحسينية هو إحياء الإنسان، لا مجرد البكاء عليه؛ وإعادة بناء الوعي، لا الاكتفاء باستذكار المأساة.
ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة قراءة الواقع الإعلامي المعاصر في ضوء هذا المعيار الحسيني، بحيث يُقاس أثر الإعلام بقدرته على تعزيز الوعي الأخلاقي، لا مجرد رفع نسب المشاهدة أو الإثارة. فالإعلام الذي ينفصل عن القيم يتحول من أداة بناء إلى عامل تفكيك، بينما الإعلام المنضبط بالقيم يمكن أن يكون وسيلة لإحياء المعنى الحقيقي للإنسان والدين والمجتمع.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في نقد بعض الممارسات الإعلامية، بل في إعادة ربط الخطاب العام بجوهر الرسالة الحسينية، التي تجعل من الإنسان مشروعًا للإصلاح المستمر، ومن الوعي مسؤولية لا تُختزل في العاطفة، بل تتجسد في السلوك والموقف والعمل.




