الخميس - 25 يونيو 2026

هل استوعبت امريكا والكيان الصهيوني الدرس بعد هزيمتهما وفشلهما في الحرب الاخيرة على الجمهورية الاسلامية؟!

منذ 3 ساعات
الخميس - 25 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

هل سيورط الكيان الصهيوني امريكا بارتكاب حماقة جديدة ضد الجمهورية الاسلامية ؟
من الصعب جداً على امريكا والكيان الغاصب نسيان الدرس او الدروس والصفعات التي تلقوها من قبل الجمهورية الاسلامية ومحور المقاومة في الحرب الاخيرة ، حيث تفرض التطورات الاستراتيجية الأخيرة في المنطقة واقعاً جديداً يشير إلى أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني قد أُجبرا على إعادة تقييم حساباتهما بشكل جذري بعد فشل خياراتهما العسكرية أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذا التحول لا يقتصر على مجرد هدنة مؤقتة، بل يمثل انتقالاً عميقاً في “حرب المعادلات” وقواعد الاشتباك الإقليمية.
إليك تحليل معمق لأبعاد هذا التحول ومدى استيعاب الطرفين للدرس الاستراتيجي:
1 – انكسار عقيدة الردع التقليدية
عقود طويلة استندت فيها السياسة الأمريكية والصهيونية إلى مفهوم “الردع الساحق” والضربات الاستباقية. ومع ذلك، أثبتت المواجهة الأخيرة أن هذا المفهوم لم يعد فعالاً أمام استراتيجية “الصبر الاستراتيجي” والهندسة الدقيقة لإدارة المعركة التي تبنتها إيران.
الفشل في فرض الإرادة: عجز الكيان الصهيوني، رغم الدعم اللوجستي والاستخباراتي الأمريكي المطلق، عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية المعلنة، مما أسقط هيبة “الجيش الذي لا يقهر”.
تآكل التفوق التكنولوجي: أظهرت الدفاعات الجوية والهجمات المرتدة المركبة أن التفوق التكنولوجي الغربي يمكن تحييده وإشغاله عبر تكتيكات هجينة وموزعة بدقة.
2 – أمريكا والانتقال إلى “إدارة الخسائر”
يبدو أن الإدارة الأمريكية كانت الأسرع في التقاط الإشارات الاستراتيجية؛ حيث أدركت واشنطن أن كلفة أي مواجهة واسعة ومباشرة مع إيران ستكون كارثية على مصالحها الحيوية:
حماية النفوذ المتآكل: أدركت أمريكا أن قواعدها في المنطقة أصبحت تحت رحمة النيران المباشرة، مما دفعها للضغط نحو مسارات دبلوماسية خلفية لتجنب انهيار كامل لهيكلية نفوذها في الشرق الأوسط.
الأولوية للملفات الدولية: استيعاب الدرس الأمريكي تجلى في محاولة كبح جماح التهور الصهيوني، نظراً لحاجة واشنطن للتفرغ لمواجهات استراتيجية أوسع في شرق آسيا وأوروبا الشرقية.
3 – الكيان الصهيوني وعقدة الوجود
بالنسبة للكيان الصهيوني، فإن استيعاب الدرس يبدو أكثر تعقيداً ومصحوباً بأزمة وجودية وداخلية حادة:
صدمة الجبهة الداخلية: لأول مرة، عاش المجتمع الصهيوني واقع الحرب الطويلة والمباشرة التي هزت ثقته بالمنظومة الأمنية والسياسية، وتسببت في نزيف اقتصادي وهجرة عكسية غير مسبوقة.
الاعتراف القسري بالمعادلة الجديدة: بات قادة الكيان – وإن أنكروا ذلك علناً – يدركون أن أي حماقة قادمة ستواجه بردود فعل تفوق قدرتهم على التحمل، وأن زمن “الضرب والهروب” قد انتهى بلا رجعة.
4 – صياغة “معادلة المنتصر”
في المقابل، خرجت الجمهورية الإسلامية ومحورها من هذه الجولة بتثبيت معادلات قوة جديدة:
تكامل الجبهات: أثبتت المعركة قدرة المحور على العمل كمنظومة مترابطة وموحدة تتبادل الأدوار وتدير الضغط العسكري والنفسي بتناغم تام.
فرض شروط الاستقرار: انتقلت المبادرة إلى يد طهران، التي باتت تشكل الرقم الصعب في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية للإقليم.
إن الاستيعاب الأمريكي والصهيوني لنتائج الحرب الأخيرة لم يكن خياراً طوعياً، بل كان نتاج اصطدام مباشر بحائط القوة والقدرة على الردع التي فرضتها الجمهورية الإسلامية. المنطقة اليوم تقف على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، صاغت دماء الشهداء وحكمة القيادة مفرداتها، حيث تراجعت غطرسة القوة وتقدمت معادلة السيادة والثبات.
وسوف نقدم في هذا التحليل قراءة جيوسياسية مركّزة تعكس بوضوح تحولاً جوهرياً في موازين القوى وقواعد الاشتباك في منطقة الشرق الأوسط. يتناول النص أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية تشير إلى تبدل أدوات الصراع من الهيمنة العسكرية المباشرة إلى إدارة التوازنات المعقدة.
قراءة في أبعاد التحول الاستراتيجي
يمكن تلخيص النقاط الجوهرية التي طرحها التحليل في الجوانب التالية:
تآكل تفوق الردع الكلاسيكي: لم يعد “التفوق التكنولوجي” أو “الضربات الاستباقية” كافيين لحسم الصراعات، خاصة أمام استراتيجيات الحروب الهجينة والتكتيكات الموزعة التي تتقنها القوى الإقليمية الصاعدة.
البراغماتية الأمريكية في إدارة الخسائر: تحول الموقف الأمريكي يعكس رغبة واشنطن في تجنب استنزاف قدراتها في حروب إقليمية واسعة، تماشياً مع أولوياتها الاستراتيجية الأكبر في شرق آسيا (الصين) وأوروبا الشرقية (روسيا).
انتقال المبادرة وصياغة المعادلات: فرض “تكامل الجبهات” كواقع ميداني نقل ثقل القرار الأمني والسياسي، وجعل من الصعب تجاوز هذا المحور في أي ترتيبات أو تفاهمات إقليمية مستقبلية.
بناءً على هذه المعطيات وهذا المشهد الإقليمي المعقد، كيف ترى انعكاس هذه “المعادلات الجديدة” على مستقبَل ملفات المنطقة الساخنة، وتحديداً المسارات الدبلوماسية ومشاريع التطبيع الاقتصادي والسياسي؟

تؤدي هذه المعادلات الجديدة إلى صياغة مشهد إقليمي مغلق أمام مشاريع الهيمنة السابقة، وتفرض مسارات دبلوماسية بديلة قائمة على الندّية. إليك توسيعاً تحليلياً لأثر هذا التحول على الملفات الساخنة في المنطقة:
1 – المسارات الدبلوماسية والملف النووي
انتقال من موقف الدفاع إلى فرض الشروط: تبدل ميزان القوى يمنح طهران أوراق ضغط أقوى في أي مفاوضات مستقبلية، حيث تحولت الدبلوماسية من أداة لاحتواء الضغوط إلى منصة لتثبيت المكاسب الميدانية.
تراجع خيار “العقوبات الشاملة” كأداة حسم: أثبتت المرونة الاقتصادية والعسكرية للمحور أن سياسة “الضغوط القصوى” لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، مما يجبر القوى الغربية على البحث عن صيغ تسوية أكثر واقعية.
2 – مشاريع التطبيع والدمج الإقليمي
جمود المشاريع الأمنية الموجهة: المشاريع التي كانت تهدف إلى بناء تحالفات أمنية وعسكرية إقليمية لمواجهة إيران واجهت جداراً من الفشل، بعد أن ظهر عدم قدرة تلك المنظومات على توفير مظلة حماية مطلقة.
إعادة التقييم الإقليمي: تندفع العديد من العواصم المحيطة نحو تعزيز القنوات الدبلوماسية المباشرة مع طهران لحماية أمنها واستقرارها الاقتصادي، بدلاً من الاعتماد الكامل على الوعود الأمنية الأمريكية.
3 – مستقبل الساحات المشتعلة (اليمن، سوريا، لبنان)
تثبيت شرعية القوى الحليفة: إن نجاح تكتيك “تكامل الجبهات” يعزز الموقف السياسي والعسكري للقوى المحسوبة على المحور في هذه الدول، ويجعل من المستحيل صياغة أي حلول سياسية داخلية بمعزل عن مصالحها.
تحول إلى خطوط ردع دائم: تحولت هذه الساحات من مناطق نزاع محلي إلى القواعد الأمامية لمعادلة الردع الإقليمي الشامل.
والان هذا التحليل معمق يبحث في آليات الضغط الصهيوني على الإدارة الأمريكية لإنشاء مظومة حماية متجددة، وسياقات هذا التحرك الاستراتيجي:
الضغط الصهيوني على واشنطن: خيارات محدودة وأزمة خيارات استراتيجية
يسعى الكيان الصهيوني بشكل حثيث ومستمر للضغط على الولايات المتحدة لانتزاع التزامات أمنية وعسكرية جديدة تمثل “شبكة أمان” تقيه تبعات تآكل قوة الردع الخاصة به. هذا الضغط لم يعد ترفاً سياسياً، بل تحول إلى ضرورة وجودية فرضتها معادلات الاشتباك الأخيرة.
1 – محاور الضغط الصهيوني الحالي
ينصب الجهد الأمني والسياسي الصهيوني على دفع واشنطن نحو تبني ثلاثة مسارات أساسية للحماية:
مأسسة التحالف الدفاعي الإقليمي: الضغط باتجاه تحويل التنسيق العسكري المؤقت (الذي ظهر في التصدي للمسيرات والصواريخ الإيرانية) إلى حلف دفاعي رسمي وملزم تشرف عليه القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
تجديد مخازن السلاح والذخيرة النوعية: المطالبة بتدفق مستمر وغير مشروط للأسلحة الذخائر الذكية، ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة (مثل تعزيز منظومات ثاد THAAD والبلادين)، لتعويض الاستنزاف الهائل في الجبهات المتعددة.
انتزاع “الفيتو الدبلوماسي الشامل”: الضغط لمنع فرض أي عقوبات دولية أو ملاحقات قضائية في المحافل الأممية، وضمان غطاء سياسي أمريكي لأي عمليات أمنية موجهة قد يضطر الكيان لتنفيذها.
2 – الكوابح الأمريكية: حدود الاستجابة لواشنطن
رغم استجابة واشنطن التقليدية لمتطلبات أمن الكيان، إلا أن حسابات الإدارة الأمريكية تصطدم بهامش مناورة ضيق يمنعها من الانجرار الكامل وراء الرغبات الصهيونية:
محددات القرار الأمريكي
1 – تجنب حرب إقليمية أولويات دولية كبرى شاملة ومباشرة
2 – الحفاظ على القواعد ( شرق آسيا وأوروبا) من الاستهداف المباشر
معادلة “الاشتراك لا الانجرار”: تريد واشنطن حماية الكيان لكنها ترفض بشكل قاطع أن تُقاد إلى حرب إقليمية مباشرة مع إيران؛ لاعتبارات تتعلق بـ سلامة قواتها وقواعدها في المنطقة التي باتت مكشوفة تماماً.
الاستنزاف الاستراتيجي: تدرك الإدارة الأمريكية أن الالتزام الأعمى بحماية الكيان يستهلك مخزونها العسكري والمالي، ويعطل تفرغها للمواجهة الجيوسياسية الأكبر مع الصين في المحيط الهادئ وروسيا في أوروبا الشرقية.
3 – سيناريوهات الصدام والاتفاق بين الطرفين
أمام هذا الواقع، يتأرجح الضغط الصهيوني بين مستويين:
1 – سيناريو الابتزاز السياسي: استغلال التنافس الحزبي الداخلي في الولايات المتحدة (خاصة في مواسم الانتخابات أو التجاذبات في الكونغرس) لإحراج الإدارة الأمريكية وإجبارها على تقديم تنازلات أمنية إضافية تحت بند “الالتزام الحديدي”.
2 – سيناريو العمل المنفرد لجر واشنطن: قد يلجأ الكيان إلى تنفيذ عمليات اغتيال أو ضربات أمنية خاطفة ضد مصالح إيرانية، بهدف إشعال رد فعل يجبر الولايات المتحدة – أخلاقياً وعسكرياً – على التدخل لحمايته، وهو ما يمثل ذروة الخطورة في الحسابات الأمريكية الحالية.
خلاصة القول إن فكرة “الحماية الجديدة” التي يطالب بها الكيان هي اعتراف ضمني بعجزه عن مواجهة الجمهورية الإسلامية ومحورها بمفرده. ورغم أن أمريكا ستبقي على مظلة الدعم، إلا أن قواعد “حرب المعادلات” الجديدة جعلت كلفة هذه الحماية باهظة جداً على المصالح الأمريكية العليا، مما يجعل الاستجابة للضغط الصهيوني محكومة بسقف “منع الانهيار” لا “تحقيق الانتصار”.