الخميس - 25 يونيو 2026
منذ ساعتين
الخميس - 25 يونيو 2026

حسام الحاج حسين ||
مدير مركز الذاكرة الفيلية

 

 

 

من اروع المسلسلات المعاصرة : الفساد الأخلاقي والمالي والإداري في العراق
تأليف وإخراج: القادة السياسيون
بطولة: الوزراء، ورؤساء الكتل، والمدراء العامون، ورؤساء الهيئات.
ضيوف الشرف: الفانشستات والعاهرات و أصحاب المصالح، والسماسرة، وكل من مرّ صدفةً بالقرب من المال العام.

أما مواقع التصوير، فقد اختيرت بعناية داخل مؤسسات الدولة وتحت العلم العراقي، لإضفاء أكبر قدر ممكن من الواقعية على الأحداث. نعم انت أمام منجزات بشرية وباأيادي عراقية محلية نرتقي يوماً الى الحصول على جائزة الأوسكار او السعفة الذهبية او حتى المشاركة في مهرجان كان السينمائي .

لدينا عروض موسمية وفي كل موسم جديد، لا يُكافأ صاحب الإنجاز أو الكفاءة، بل يُكافأ صاحب الفضيحة الأكبر، حيث يتم نقله إلى دائرة أخرى ضمن برنامج وطني متطور يُعرف باسم «تدوير الفاسدين»، وهو برنامج يهدف إلى الحفاظ على الخبرات ومنعها من الضياع أو الوقوع بيد العدالة.

وبينما تنشغل دول العالم بتطوير الذكاء الاصطناعي، واستكشاف المريخ، وإنتاج الطاقة النظيفة، يبدو أن العراق اختار مسارًا أكثر انسجامًا مع واقعه السياسي؛ إذ يواصل الاستثمار في تطوير منظومة الفساد وتحديث أساليبها، حتى أصبحت أكثر استقرارًا واستدامة من كثير من مؤسسات الدولة نفسها.

في العراق، لم يعد الفساد مجرد مخالفة قانونية، بل تحول إلى مشهد يومي مألوف. فكلما ظن المواطن أن سقف الصدمات قد بلغ نهايته، اكتشف أن هناك طابقًا جديدًا أضيف فوقه. مسؤولون تحيط بهم الشبهات، وآخرون تلاحقهم الفضائح، ومع ذلك يستمرون في التنقل بين المناصب وكأن الفشل الإداري وسوء السمعة متطلبات أساسية للترقية.

أما المواطن العراقي، فقد أصبح المشاهد الأكثر وفاءً لهذا المسلسل الطويل. يبدأ يومه بخبر عن أموال مفقودة، ويكمله بمتابعة مشروع متعثر، وينهيه بفضيحة جديدة تتصدر وسائل الإعلام. يعرف أسماء الأبطال، ويحفظ تفاصيل الحلقات، لكنه ما زال عاجزًا عن معرفة موعد الحلقة الأخيرة.

وإذا كان الفساد الإداري والمالي يُعرّف بأنه استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة، فإن العراق يبدو وكأنه يقدم شرحًا عمليًا لهذا التعريف على مدار الساعة. فالثروات موجودة، والإمكانات متوفرة، لكن النتائج تتبخر في دهاليز المحاصصة وشبكات المصالح وضعف المساءلة.

المفارقة الأكثر إثارة أن الجميع يعلن الحرب على الفساد، بينما يبدو الفساد نفسه مطمئنًا وواثقًا من بقائه. فكل حكومة تتعهد بالقضاء عليه، ثم لا تلبث أن تضيف فصلًا جديدًا إلى سيرته الذاتية.

العراق لا يحتاج إلى المزيد من الخطب والشعارات، بل إلى دولة تُحاسب قبل أن تُبرر، وتُعاقب قبل أن تُدوّر، وتُقدّم القانون على المصالح السياسية. فالأوطان لا تُبنى بالبيانات الرسمية، بل بالعدالة والشفافية واحترام المال العام.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى المواطن العراقي جالسًا أمام شاشة هذا المسلسل المفتوح، منتظرًا اليوم الذي يُسدل فيه الستار على بطل الحكاية الحقيقي الا وهو الفساد .