الخميس - 25 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
الخميس - 25 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

مما لا شك فيه وبأعتراف العدو قبل الصديق أنه انتهت المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، بفرض طهران لمعادلة ردع جديدة كرست إخفاق المحور الغربي-الإسرائيلي في تحقيق أهدافه الاستراتيجية. على الرغم من الفارق الهائل في الترسانة العسكرية التقليدية والتفوق التكنولوجي، فإن قراءة مسار الصراع وأبعاد “مذكرة التفاهم” الأخيرة تشير إلى أن طهران نجحت في تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب جيوسياسية؛ مما دفع كبرى الصحف العالمية، مثل “الإندبندنت” البريطانية، للإقرار علناً بأن “أمريكا خسرت حربها مع إيران”.

1 – عسكرة مضيق هرمز: السلاح الاقتصادي الشامل
أبرزت الحرب أن إيران لا تحتاج إلى تفوق جوي تقليدي لتوجيه ضربة قاصمة لخصومها، بل استخدمت الجغرافيا السياسية كسلاح عبر التحكم في مضيق هرمز.

الضغط على الشرايين العالمية: أدى التهديد الفعلي لتدفقات الطاقة واضطراب الملاحة إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط والغاز، مما فرض ضغوطاً تضخمية هائلة على الاقتصاد العالمي والداخل الأمريكي.
ورقة ضغط دائمة: خروج طهران من الحرب مع الاحتفاظ بالقدرة الكاملة على توظيف المضيق كورقة ضغط اقتصادي، جعل أي اتفاق سياسي قادم يصب في صالحها استراتيجياً.

2- عقيدة “حرب المعادلات” والدفاع السلبي
دخلت واشنطن والكيان المواجهة بعقلية “عاصفة الصحراء” الخاطفة، مستندة إلى كثافة النيران والضربات الجوية لتدمير البنية التحتية، لكنها صُدمت بـاستراتيجية الصمود الطويل الإيرانية.

أ – التحصين العميق والدفاع السلبي: نجحت طهران على مدى عقود في بناء منشآت صاروخية ونووية مدفونة في أعماق الجبال والتحصينات الجيولوجية، مما جعل الضربات التقليدية، وحتى القنابل الخارقة للمخابئ، غير قادرة على شل مجهودها الحربي.
ب – اللامركزية القيادية: تم تصميم بنية الحرس الثوري الإيراني والقوات المسلحة على أساس القيادة اللامركزية، مما أفشل “ضربات قطع الرأس” وحافظ على استمرارية المنظومة الدفاعية والهجومية للبلاد.
3 – معضلة “الردع غير المتناظر” وحدود القوة التقليدية
أثبتت مجريات الحرب أن تفجير الأهداف العسكرية والبنى التحتية لا يمكنه إجبار دولة بحجم إيران وعمقها الجغرافي البشري على الاستسلام.
المرونة الأيديولوجية والاقتصادية: اعتادت إيران على العيش تحت وطأة العقوبات الخانقة لعقود، مما منح مجتمعها ومؤسساتها “صلابة أيديولوجية واقتصادية” وقدرة عالية على تحمل تبعات الحرب، مقارنة بالمجتمعات الغربية الحساسة جداً للمستويات المعيشية والأمنية.
بنية النظام المزدوجة: حال وجود منظومة أمنية وعسكرية مزدوجة (الجيش النظامي إلى جانب الحرس الثوري) دون أي اختراق داخلي أو تفكك في مستويات السلطة، على عكس الرهانات الغربية التاريخية.
4 – المأزق الإسرائيلي وانفصام الأهداف
شكل الموقف الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو عبئاً استراتيجياً على واشنطن بدلاً من أن يكون رافعة لها.
تضارب الأولويات: في حين كانت واشنطن تبحث عن مخرج دبلوماسي سريع يضمن استقرار أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي قبل توقيع مذكرات التفاهم، استمر الكيان في الدفع نحو توسيع رقعة الحرب (سواء في جنوب لبنان أو الجبهات الأخرى)، مدفوعاً بـ”هوس إضعاف طهران المطلق” لحماية أمنه الوجودي.
اتساع جبهة الاستنزاف: عجز الكيان عن حسم معاركه بشكل حاسم، وتحوله إلى حالة استنزاف دائم على جبهات متعددة، أضعف الموقف التفاوضي للمحور بأكمله وأظهر حدود القوة العسكرية الإسرائيلية في مواجهة حلفاء إيران الإقليميين.
خلاصة استراتيجية: > لم تكن الخسارة الأمريكية-الإسرائيلية عسكرية بالمعنى التقليدي (أي تدمير الجيوش في الميدان)، بل كانت خسارة استراتيجية في حرب الإرادات وحسابات التكلفة والعائد. خرجت طهران من هذه المواجهة بترسانة أثبتت فاعليتها، وبنفوذ إقليمي لم يتفكك، وباتفاقيات تفرض فيها شروطها، مستغلة حاجة النظام الدولي الملحة للاستقرار، ومؤكدة أن زمن الهيمنة الأحادية والحروب الخاطفة في الشرق الأوسط قد ولى دون رجعة.

وعند التعمق في التحليل سوف تبرز أبعاد أخرى حسمت هذه المواجهة الاستراتيجية لصالح طهران، وتتعلق بـ “حرب العقول” وصراع الإرادات:
1 – تفوق استراتيجية “الصبر الاستراتيجي” و”إدارة حافة الهاوية”: أدارت طهران المعركة ببرود أعصاب سياسي وعسكري، حيث اعتمدت على ردود أفعال مدروسة ومحسوبة بدقة (Calculated Escalation) تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة لا تريدها واشنطن، وفي نفس الوقت توجع الخصم وتفرض عليه مراجعة حساباته قبل أي خطوة قادمة.
2 – الفشل الاستخباراتي والتقديري للغرب:
بُنيت الخطط الأمريكية والإسرائيلية على تقارير وتقديرات خاطئة افترضت أن الداخل الإيراني هش وسينهار تحت الضغط العسكري والاقتصادي المشترك. لكن التلاحم المؤسسي الداخلي والالتفاف حول خيارات الردع فاجأ مراكز صنع القرار في واشنطن وتل أبيب.
3 – تآكل الشرعية الدولية والدعم الإقليمي للمحور الغربي:
فشلت الولايات المتحدة في حشد تحالف دولي أو إقليمي صلب لخوض هذه الحرب نيابة عنها؛ إذ فضلت القوى الإقليمية النأي بنفسها للحفاظ على أمنها ومنشآتها الاقتصادية، في حين استغلت قوى دولية كبرى (مثل الصين وروسيا) الانشغال الأمريكي لتعميق الشراكات الاستراتيجية مع طهران، مما كسر العزلة الدولية المفروضة عليها.
4 – المعادلة الجوية الجديدة والمسيرات الانقضاضية:
أثبتت شبكات الطائرات المسيرة والصواريخ المجنحة والباليستية الإيرانية قدرتها على اختراق أعتى منظومات الدفاع الجوي الغربية والإسرائيلية (مثل باتريوت والقبة الحديدية). هذا الاختراق أسقط أسطورة “التفوق الجوي المطلق” وحوّل العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية في المنطقة إلى أهداف مكشوفة، مما جعل تكلفة استمرار الحرب باهظة جداً ولا يمكن تحملها بشرّياً أو ماليّاً.
اي يكمن الجوهر الاستراتيجي لانتصار طهران في قدرتها على الانتقال من “الدفاع السلبي” إلى فرض “العقيدة الهجومية غير المتناظرة” التي شلت فاعلية التفوق التكنولوجي الغربي.
لصياغة فهم أكثر عمقاً وأكاديمية لهذه المواجهة، يمكن تفكيك المشهد إلى أربعة أبعاد بنيوية:
البعد الاول – تفكيك مفهوم “الردع بحرمان المزايا” (Deterrence by Denial):
لم تراهن إيران على منع الطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية من اختراق أجوائها، بل ركزت على إفراغ الضربات الجوية من قيمتها العسكرية. من خلال استراتيجية التوزيع الجغرافي الأفقي، ودفن الصواريخ والمنشآت الحيوية في شبكات أنفاق “مدن تحت الأرض” معززة بجيولوجيا جبلية معقدة، تحولت النيران الغربية الكثيفة إلى جهد ضائع ماليّاً وعسكريّاً، حيث عجزت القنابل الارتجاجية والخارقة للمخابئ عن إحداث انهيار في قدرة القيادة والسيطرة أو في مخزون السلاح الاستراتيجي.
البعد الثاني – كسر الاحتكار الجوي وسقوط “مبدأ بيغن”:
تأسست العقيدة الأمنية الإسرائيلية تاريخياً على “مبدأ بيغن” (منع أي قوة إقليمية من امتلاك سلاح كاسر للتوازن). نجحت طهران في تدمير هذا المبدأ عبر إغراق المجال الجوي (Swarms Innovation)؛ حيث إن إطلاق مئات المسيرات الانقضاضية منخفضة التكلفة والصواريخ المجنحة والفرط صوتية في آن واحد، وضع منظومات “الدفاع الجوي الطبقي” (كالقبة الحديدية، ومقلاع داوود، وباتريوت) أمام معضلة استنزاف تكنولوجي ومالي حاد، وتحول العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية إلى رقعة مكشوفة أخلت بميزان الأمن القومي للخصوم.
البعد الثالث – سلاح “الجيوبوليتيك الخانق” وإدارة الحصار المتبادل:
حين فرض الغرب حصاراً اقتصادياً على طهران، ردت الأخيرة بفرض حصار جيوسياسي على ممرات الطاقة العالمية. التحكم الصارم في مضيق هرمز وباب المندب، وتحويل البحر الأحمر والخليج العربي إلى مناطق تهديد عالية المخاطر، رفع كلفة التأمين البحري والشحن الدولي. هذا الضغط نقل أزمة الحرب مباشرة إلى المواطن الغربي عبر التضخم، ومثّل ضغطاً سياسياً خانقاً على الإدارة الأمريكية التي لا تتحمل أجهزتها السياسية حروب استنزاف اقتصادية طويلة الأمد.
البعد الرابع – بنية المقاومة اللامركزية ومرونة النظام:
راهنت واشنطن وتل أبيب على “ضربات قطع الرأس” والاغتيالات السياسية والعسكرية الكبرى لإحداث شلل مؤسسي. لكن الهيكل المركب للنظام الإيراني (تكامل المؤسسة العسكرية التقليدية مع الحرس الثوري)، وتوزيع القرار العملياتي لشبكة الحلفاء الإقليميين بناءً على “وحدة الجبهات والهدف، مع استقلالية التنفيذ”، جعل المنظومة بأكملها عصية على الانكسار، وحوّل الحرب من مواجهة مع جبهة محددة إلى معركة استنزاف مفتوحة ومتعددة المحاور لا يملك الكيان الصهيوني العمق الجغرافي أو البشري لتحملها.
وفي المحصلة النهائية أستطاعت الجمهورية الاسلامية ومحور المقاومة أن تفرض واقعا جديداً وقواعد أشتباك جديدة ، ومان هذا ليتم لولا الدماء الزكية الطاهرة التي أُريقت واستشهاد العشرات من قيادات الخط الاول وعلى رأسِهم الامام الخامنئي وسيد حسن رضوان الله عليهما وبقية الاخوة السائرين على نهج طف كربلاء ، وما يحصل اليوم هو بفضل تلك الدماء والصمود والتلاحم المنقطع النظير بين الجماهير وقياداتها .