هل أن الفـساد في العراق “بـنيوي”؟!
إياد الإمارة ||

لقد تشكل النظام سياسي العراقي الجديد بعد العام (٢٠٠٣) تحت المظلة الأمريكية وبفعل القوة الأمريكية التي أسقطت النظام البعثي الإرهابي السابق وأعادت بناء مؤسسات الدولة بما يحفظ المصالح الأمريكية والصهيونية بالدرجة الأساس وليس حباً بالعراقيين ولا تطبيقاً لشعارات نشر الديمقراطية إذ الإدارة الأمريكية “القبيحة” ليست مؤسسة خيرية ..
ما يسجل على هذا النظام بوضوح تام هو إستشراء الفساد بأنواعه كافة حداً أصبح جزء النظام الأكثر فاعلية وقوة!
وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على ذلك التحول الكبير فإن كثيراً من المؤشرات:
• السياسية.
• والاقتصادية.
• والإدارية.
تدفع إلى التشكيك بإمكانية نجاح أي مشروع حقيقي يُـطرح لمكافحة الفساد داخل هذا النظام ..
الفساد في هذا البلد ليس مجرد حالات فردية أو ممارسات شاذة يمكن معالجتها عبر:
•لجان تحقيق.
• أو حملات إعلامية.
• أو إجراءات قضائية متفرقة.
الفساد جزء من البنية التي يقوم عليها النظام السياسي نفسه!
وعندما يصبح الفساد بنيوياً ومتشابكاً مع آليات إنتاج السلطة وتوزيع النفوذ والثروة فإن الحديث عن استئصاله يصبح أقرب إلى الحديث عن تفكيك الأسس التي يستند إليها النظام برمته ..
إن القوى السياسية التي تداولت السلطة خلال السنوات الماضية لم تكن منفصلة عن منظومة المصالح التي تشكلت بعد عام (٢٠٠٣) هي جزءاً منها بدرجات متفاوتة وقد أنشئت شبكات واسعة من المصالح الاقتصادية والإدارية والحزبية بحيث أصبحت موارد الدولة ومؤسساتها مجالاً للتنافس والتقاسم بين القوى النافذة!
وفي مثل هذا الواقع لا يعود الفساد ظاهرة طارئة هو آلية من آليات استمرار التوازنات السياسية نفسها!
لهذا السبب تبدو الدعوات المتكررة لمكافحة الفساد محاطة بالكثير من الشكوك فلو افترضنا وجود إرادة حقيقية وشاملة لضرب منظومة الفساد من جذورها فإن ذلك سيقود بالضرورة إلى كشف ملفات كبرى تمتد إلى مستويات عليا من السلطة والإدارة والأحزاب وهو ما قد يفضي إلى هزات سياسية عميقة وربما إلى انهيار التفاهمات التي قام عليها النظام طوال السنوات الماضية..
ومن هنا يمكن فهم سبب محدودية نتائج حملات مكافحة الفساد التي أُطلقت في مراحل مختلفة فغالباً ما كانت هذه الحملات:
١- تنتهي عند حدود معينة.
٢- أو تستهدف شخصيات دون أخرى.
٣- أو تتحول إلى أدوات ضغط متبادلة بين الخصوم والشركاء في العملية السياسية.
ولهذا نشأ انطباع واسع لدى الرأي العام بأن ما يجري ليس حرباً شاملة على الفساد هي أقرب ما تكون إلى جولات من الصراع السياسي تستخدم فيها ملفات الفساد كسلاح في مواجهة المنافسين ..
فكل طرف يمتلك من المعلومات والوثائق ما يمكن أن يدين أطرافاً أخرى لكن الجميع يدرك في الوقت نفسه أن فتح جميع الملفات بلا استثناء قد يجر شبكة واسعة من المتورطين إلى دائرة المساءلة ..
ولذلك تبقى المعركة في كثير من الأحيان محكومة بسقوف سياسية محددة تتغير تبعاً لموازين القوى والتحالفات والخلافات.
إن المشكلة الحقيقية في هذا الموضوع الشائك لا تكمن في غياب الشعارات أو القوانين أو الهيئات الرقابية المشكلة تكمن في طبيعة البيئة السياسية التي تسمح بإعادة إنتاج الفساد باستمرار!
مكافحة الفساد لا تتحقق عبر خطابات موسمية أو إجراءات انتقائية وإنما تحتاج إلى:
إعادة بناء قواعد الحكم والإدارة والرقابة والمساءلة على أسس مختلفة تماماً.
ولهذا فإن التشكيك بإمكانية القضاء على الفساد ضمن الصيغ الحالية لا يأتي من فراغ هو من قراءة لواقع تشكلت فيه منظومة المصالح والنفوذ على مدى سنوات طويلة وما لم يحدث تغيير جذري في قواعد اللعبة السياسية والإدارية فإن ما سيبقى متاحاً هو إدارة الفساد أو إعادة توزيع مراكزه لا القضاء عليه بصورة نهائية وعليه فإن ما يُـعرض للرأي العام تحت عنوان
“مكافحة الفساد”
قد يبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى مسلسل طويل من تصفيات الحسابات بين الشركاء والخصوم داخل النظام السياسي أكثر من كونه مشروعاً وطنياً شاملاً يستهدف اقتلاع الفساد من جذوره.
أما المعركة الحقيقية ضد الفساد فإنها تبدأ عندما:
• تصبح المساءلة فوق المصالح الحزبية.
• ويصبح القانون فوق التوازنات السياسية.
• وتصبح الدولة أقوى من الشبكات التي استنزفتها طوال السنوات الماضية.
✍️
٢٣ حـزيران ٢٠٢٦
تابعونا على قناة التلگرام الخاصة
https://t.me/kitabatsbeed




