نهاية الحرب ومأزق السلام..!
محمد شريف أبو ميسم ||

أيّ كان شكل الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بشأن وضع نهاية للحرب، فإنه لن يجد قبولاً لدى الكيان الصهيوني ما لم يتضمن تحقيق أهداف الكيان التي كانت وراء الحرب، بعد فشل هدف إسقاط النظام، والمتمثلة بإنهاء الملف النووي والصواريخ البالستية، وإيقاف دعم إيران لحلفائها في المنطقة. وبحسب التسريبات، فإن هذه الأهداف الثلاثة لم ترد في نص الاتفاق إلا في سياق مفاوضات أخرى يراد لها أن تستمر لستين يوماً حول الملف النووي، وهو سقف زمني قابل للتمديد، وضع “وعلى ما يبدو” لإيجاد مخرج للمأزق الذي تعرضت له إدارة الرئيس ترامب، وهي تواجه أدوات المفاوض الإيراني بعد التداعيات التي تعرضت لها أسواق النفط جراء غلق مضيق هرمز وارتفاع كلفة الحرب وكلفة الحصار الذي فرضته على السفن الإيرانية.
وفي وقت تحاول فيه إدارة ترامب تسويق نفسها بوصفها القائم على تحريك الأحداث بما يوحي أنها ألحقت الهزيمة بالجانب الإيراني، إلا أن شرط إيقاف حرب الكيان على لبنان يسقط فرضية تخلي إيران عن حلفائها، وتصريح “ترامب” مؤخراً “أن دولاً أخرى بالمنطقة تمتلك الصواريخ البالستية أيضاً” يؤكد أن إدارة ترامب لا تمتلك من خيار في هذه الحرب سوى الاستمرار في فرض العقوبات والتلويح من جديد بضربات “ساحقة ماحقة إعلامياً” وبائسة خافضة لعلو كعب التفوق الأمريكي أمام العالم، فضلاً عن ارتفاع كلفة الحرب التي لا تقف عند نفقات الاستمرار في فرض الحصار البحري على الناقلات.
وهو إجراء تكتيكي مؤقت لا يمكن أن يأخذ سمة الديمومة – بجانب ارتفاع أسعار الطاقة، وقلق حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة لا قِبل لهم بها، وليس لحليفتهم القدرة على وضع حد لنهايتها في ظل ضغوط متزايدة في الداخل الأمريكي لإنهائها قبل أن تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي على الشعب والحكومة الأمريكية،
فكان البحث عن مخرج لحفظ ماء الوجه، والإبقاء على وهم الهيبة والتفوق الأمريكي إزاء الصبر الاستراتيجي الإيراني الذي فاق كل التوقعات. فجاء الاتفاق في حدود ما أعلنه الجانب الإيراني، الذي تحدث عن رفع تدريجي للعقوبات النفطية، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، وإعادة فتح مضيق هرمز بالتنسيق مع الجانب العماني، بجانب ما رشح عن الوسائل الإعلامية الإيرانية بشأن مشاريع إعادة إعمار ودعم اقتصادي بمئات المليارات من الدولارات.
وبهذه الملامح التي تسربت أو التي أعلن عنها، أكدت الكثير من وسائل الإعلام الأمريكية تشوه صورة التفوق الأمريكي، ووضعت إدارة ترامب بين مفترقي الانتصار الوهمي والهزيمة. ولهذا السبب سارع الرئيس الأمريكي “ترامب” حين تداولت وسائل الإعلام الإيرانية بعض هذه التفاصيل إلى نفيها، وكعادته في إطلاق التصريحات خارج الأطر الدبلوماسية، هاجم المسؤولين الإيرانيين الذين سربوا هذه التفاصيل، الأمر الذي لا يفسر مأزق ترامب حسب، الناجم عن إطالة أمد الحرب دون تحقيق أهدافها،
بل يفسر أيضاً خشية الإدارة الأمريكية من ردات فعل الدولة العميقة، التي تقف وراء وجود حليفتهم إسرائيل. وبهذا الشأن تحدثت وسائل إعلام داخل الكيان عن مخاوفها من أن يتحول الاتفاق إلى إنجاز دبلوماسي يمنح ترامب فرصة لإعلان النجاح بهدف تسويق نفسه في الانتخابات النصفية، من دون أن يبدد هواجس القلق المترتبة على هذا الاتفاق، والتي لها صلة مباشرة بالأهداف الاستراتيجية لإقامة مشروع “إسرائيل الكبرى” من “الماء إلى الماء”،
وهو ما يؤكد أن ملف محور المقاومة في لبنان والعراق واليمن، بوجود الدعم الإيراني، هو الهاجس الأكبر أمام القائمين على المشروع الصهيوأمريكي، ليس لأنه يشكل تهديداً وجودياً لأمن الكيان (بعد أن ثبت للخائفين منه أنه نمر من ورق) فحسب، بل لأنه يشكل عائقاً استراتيجياً أمام أدوات التطبيع التي تؤسس للاندماج الإقليمي بين دول المنطقة، عبر خلق بيئات عمل آمنة لتدفق رساميل العولمة، وصولاً لما يسمى بالمشروع الإبراهيمي الممتد من النيل إلى الفرات عبر سياسة الاحتواء الاقتصادي.




