التكليف في مدرسة العباس -ع-..!
كوثر العزاوي ||

إنّ مايميّز شخصية أبي الفضل العباس “عليه السلام” ظهيرة عاشوراء على أرض كربلاء، هو التجلّي العمليّ في تجسيد فلسفة التكليف والولاية، إذ جعل الراية والقِربة رمزًا للارتباط بالحجّة الإلهية في كل عصر، وكأنهُ أعطى أبلغ درسٍ في الوفاء وحَمْلِ الأمانة.
فقد جسّد أبو الفضل فعله ليقول للأجيال: إنّ الراية والقِربة هما تكليفهُ الشرعيّ في عصر إمامِ زمانه، كما تمثّلان رمزًا للثباتِ والمقاومة حتى الرمقِ الأخير.
فلّما قُطِعت كفُّهُ اليمنى “سلام الله عليه”، تناول تكليفهُ بكفِّه اليسرى، ولما قُطِعت كفُّه اليسرى، احتضن تكليفهُ بفمه الطاهر، فلم يتركه إلّا حين عانق الشهادة وهو مقطّع إربا.
فلو تأمّلنا ماوراء المشهد، لوجدنا أنّ
الراية عند أبي الفضل العباس لم تكن قطعة قماشٍ تُحمل في ساحة القتال، وإنّ القِربةَ كانت أملَ العطاشى، ونبضَ الوفاء في قلبٍ لم يعرف إلّا الطاعة والبذل، وإنّ الموت دونهما، هي عين البصيرة والعزّة.
لقد أدرك أبو الفضل العباس، أنّ التكليف جزءٌ من الرسالة، وأن الرسالة أمانةُ الله في أرضه، وأنّ الإمام المعصوم هو حجّة الله في زمانه، وعينه الناظرة في عباده ، فلا يُفرَّط بالأمانة مهما عظمت التضحيات.
لذا.. فلم يكن العباس “عليه السلام” يدافع عن رايةٍ وقِربَةٍ فحسب، بل كان يدافع عن عهدٍ إلهيٍّ قطعه، ومسؤوليةٍ شرعيةٍ ارتبطت بإمامهِ وقائده المعصوم الحسين “عليه السلام”. فبقي ممسكًا بها ما بقيت فيه حياة، وكأنّه يخطّ بدمه درسًا خالدًا للأجيال:
أنّ المؤمن الصادق، هو الأمين على ماكلّفهُ الله من حَمْلِ الأمانة، فلا يتخلّى عنها، سيما إذا حميَ الوطيس واشتدت المحنة، فضلًا عن عدم المساومة على مبادئه عند تكاثر الجراح، بل يمضي مع الحق حيث كان، ثابتًا على عهد الله، والوفاء لحجّة الله مهما بلغت المصاعب.
وهكذا تحوّلت راية العباس وقِربَتهِ “عليه السلام” إلى مدرسةٍ خالدةٍ للأوفياء، تُعلّمنا: أنّ قيمة الرجال لا تُقاس بما يملكون من قوةٍ أو بأس، بل بما يحملون من وفاءٍ وصدق، وثباتٍ على الحق، فضلًا عن طاعتهم المطلقة لحجّة الله في زمانهم، وصونهم لأمانة التكليف وبو قُتِل دونها.
٧-محرم- ١٤٤٨هـ
٢٣-حزيران-٢٠٢٦م




