السبت - 20 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
السبت - 20 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

Screenshot

 

في الشرق الأوسط لا تنتهي الحروب دائماً عند توقف إطلاق النار ، بل تبدأ بعدها معارك أخرى أكثر تعقيداً ، تتعلق بالنفوذ والسياسة والاقتصاد وإعادة رسم موازين القوة ، ومن هذا المُنطلق يُمكن فهم الحديث الإيراني المُتصاعد عن التعويضات والخسائر التي خلّفتها المُواجهات الأخيرة ، بأعتباره جُزءاً من مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي ، تنتقل فيها المواجهة من الميدان العسكري إلى ساحات القانون والسياسة والاقتصاد .

لقد تعرضت إيران خلال الأشهر الماضية إلى ضغوط غير مسبوقة نتيجة المُواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ، سواء عبر الضربات العسكرية المُباشرة أو عبر منظومة العقوبات والضغوط الاقتصادية التي أستهدفت قطاعات حيوية في الدولة الإيرانية ، وفي ظل هذه الظروف تبدو مسألة المُطالبة بالتعويضات مُحاولة لإعادة صياغة رواية الحرب من منظور سياسي وقانوني يهدف إلى تحميل أطراف إقليمية جُزءاً من المسؤولية عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد والبنية التحتية الإيرانية ،

غير أن القضية تتجاوز مُجرد الأرقام المالية لأن الحديث عن مئات المليارات من الدولارات لا يتعلق فقط بإعادة إعمار مُنشآت أو تعويض خسائر مادية ، بل يرتبط أيضاً بإعادة ترتيب موازين الردع في المنطقة ، فإيران تُدرك أن أي اعتراف بمسؤولية دول أخرى عن نتائج الحرب سيمنحها مكسباً سياسياً ومعنوياً كبيراً حتى لو تعذر تحقيق هذه المطالب عملياً على أرض الواقع .

في المقابل ، تنظر دول الخليج إلى هذه الاتهامات من زاوية مُختلفة تماماً ، إذ ترى نفسها جُزءاً من منظومة أمن إقليمي مُعقدة تتعرض بدورها لتهديدات مُستمرة ، كما أنها تجد نفسها عالقة بين مصالحها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من جهة ، وضرورات الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ، وتجنب التصعيد مع إيران من جهة أخرى ، ولهذا فإن أي حديث عن تعويضات أو مسؤوليات مالية ضخمة سيُنظر إليه خليجياً بأعتباره جُزءاً من الصراع السياسي وليس أستحقاقاً قانونياً قابلاً للتنفيذ .

المشهد برمته يكشف عن حقيقة أعمق تتمثل في أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تموضع كُبرى ، فالحرب الأخيرة لم تكُن مُجرد مُواجهة عسكرية محدودة ، بل كانت أختباراً لقواعد الاشتباك التي حكمت الشرق الأوسط لعقود ، وقد أظهرت الأحداث أن جميع الأطراف رغُم أمتلاكها أدوات ضغط وتأثير كبيرة ، لا تزال عاجزة عن حسم الصراع بشكل نهائي .

فالولايات المتحدة تملك التفوق العسكري والاقتصادي ، وإسرائيل تمتلك قدرات أمنية وتكنولوجية مُتقدمة ، فيما تمتلك إيران شبكة واسعة من أدوات النفوذ الإقليمي وقدرة عالية على امتصاص الضغوط وإطالة أمد المواجهة .

ولهذا فإن المُطالبة بالتعويضات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتمثل في محاولة كُل طرف تحسين موقعه التفاوضي قبل أي ترتيبات سياسية أو أمنية مُقبلة ، فكُلما أرتفعت كُلفة الحرب في الخطاب السياسي ، أزدادت قُدرة الأطراف على توظيف تلك الكُلفة في المفاوضات اللاحقة ، سواء كانت تتعلق بالعقوبات أو بالملف النووي أو بترتيبات الأمن الإقليمي .

ومن المرجح أن تبقى هذه المطالب محل سجال سياسي طويل ، لأن تحقيقها فعلياً يتطلب توافقات دولية وإقليمية تبدو بعيدة المنال في الظروف الحالية ، كما أن المنطقة لا تزال تعيش حالة من أنعدام الثقة المُتبادل، تجعل من الصعب الانتقال من منطق الاتهامات إلى منطق التسويات الشاملة .

في الختام .. إن القراءة الهادئة لما يجري تُشير إلى أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام نُسخة جديدة من الحرب الباردة ، تختلف في أدواتها عن صراعات القرن الماضي لكنها تتشابه معها في الأهداف والنتائج ، فالصراع بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أُخرى ، لم يعد مُجرد مُواجهة عسكرية أو أمنية ، بل تحول إلى مُنافسة طويلة الأمد على النفوذ والردع وإدارة التوازنات الإقليمية .

وفي مثل هذه الحروب لا يكون المُنتصر هو الطرف الذي يحقق أكبر قدر من الدمار ، بل الطرف الذي ينجح في إدارة الصراع بأقل الخسائر وأكثر المكاسب السياسية .

أما شعوب المنطقة ، فهي تبقى الطرف الأكثر حاجة إلى أن تنتصر لغة المصالح المُشتركة على منطق المُواجهة المفتوحة ، لأن أستمرار أستنزاف الموارد والثروات لن يصنع أمناً دائماً لأحد ، بل سيُؤجل فقط أستحقاقات الاستقرار التي لا مفر منها في نهاية المطاف …!