الخميس - 18 يونيو 2026

القصة الثامنة .. من مجموعة المنبر بعنوان مجلس النساء..!

منذ 5 ساعات
الخميس - 18 يونيو 2026

جليل هاشم البكاء||

 

 

 

 

في بيتٍ قديمٍ يقع في نهاية حيٍّ هادئ، كانت هناك غرفة لا تشبه باقي الغرف.

بابها الخشبي بسيط.

وسجادها متواضع.

لكنها في أيام عاشوراء تتحول إلى عالم كامل.

كانوا يسمّونها: مجلس النساء.

تديره امرأة مسنّة تُدعى أم فاطمة.

امرأة تجاوزت السبعين، لكن صوتها ما زال يحمل قوة لا تشيخ.

كانت تقول دائماً:

المنبر لا يعيش بالخشب… بل بالقلوب التي تحيط به.

بدأ المجلس قبل عقود طويلة، حين فقدت أم فاطمة زوجها في ظروف قاسية.

ومنذ تلك اللحظة قررت أن تجعل بيتها مكاناً للذكر والبكاء والوفاء.

في البداية كان عدد النساء قليلاً.

لا يتجاوزن العشر.

يجلسن على الأرض.

يستمعن بصمت.

ويبكين بصوت منخفض.

لكن شيئاً فشيئاً بدأ العدد يكبر.

بنات صغيرات.

ثم أمهات.

ثم جدات.

حتى صار البيت لا يتسع لهن.

لكن أم فاطمة لم تسمح يوماً أن يتحول المجلس إلى مكان ضيق في القلب.

كانت تفتح الأبواب حتى للغرفة الصغيرة في الخلف.

وكانت تقول:

إذا ضاق المكان… فلتتسع الأرواح.

كانت النساء يتناوبن على الخدمة.

واحدة تطبخ.

وأخرى تنظف.

وثالثة ترتب الأطفال.

ورابعة تقرأ المقتل بصوت مرتجف.

وكان هناك نظام غير مكتوب.

كل واحدة تعرف دورها دون أن تُطلب.

كأن المجلس يُدار بترتيب خفي من المحبة.

ومع مرور السنوات، صار المجلس مدرسة كاملة.

تعلمت فيه البنات معنى الصبر.

وتعلمت فيه الأمهات معنى الفقد.

وتعلمت فيه الجدات معنى الاستمرار رغم الألم.

وذات عام، حدث ما لم يكن في الحسبان.

أصيبت أم فاطمة بمرض شديد.

وأصبحت طريحة الفراش.

في البداية ظن الجميع أن المجلس سيتوقف.

فالبيت بلا صاحبته بدا كأنه فقد روحه.

وفي أول ليلة من محرم، اجتمعت النساء خارج الباب.

مترددات.

حائرات.

من ستدير المجلس الآن؟

ومن سيقرأ المقتل؟

ومن سيبدأ المجلس؟

لكن فجأة خرجت فتاة شابة من بينهن.

كانت حفيدة أم فاطمة.

وقالت بصوت خافت:

جدتي لا تستطيع الوقوف… لكن المجلس يجب أن يقوم.

سادت لحظة صمت.

ثم دخلت النساء إلى الداخل.

وجلست كل واحدة مكانها.

وكأن شيئاً لم يتغير.

في الغرفة الأخرى، كانت أم فاطمة تسمع كل شيء.

لم تستطع الحضور.

لكن صوت المجلس كان يصلها كنبض قلب قديم لا يتوقف.

وفي تلك الليلة، قرأت الحفيدة أول مقتل بصوت مرتجف.

كانت تبكي.

لكنها كانت تكمل.

والنساء من حولها يبكين أيضاً.

كأن البكاء صار لغة مشتركة لا تحتاج إلى شرح.

ومع مرور الليالي، بدأ المجلس يتغير.

لم يعد يعتمد على شخص واحد.

بل أصبح منظومة كاملة من النساء.

كل واحدة منهن تحمل جزءاً من المسؤولية.

حتى الأطفال الذين كانوا يأتون مع أمهاتهم، صاروا جزءاً من المجلس.

يوزعون الماء.

ويرتبون الأحذية.

ويجلسون بهدوء يستمعون.

وفي ليلة من الليالي، حدث شيء غريب.

أم فاطمة طلبت أن تُنقل إلى الغرفة القريبة من المجلس.

قالت:

أريد أن أسمع المنبر عن قرب.

وحين جاؤوا بها، جلست قرب الباب.

عينها لا تكاد ترى.

لكن قلبها كان يرى كل شيء.

استمعت إلى صوت النساء.

إلى البكاء.

إلى الدعاء.

ثم ابتسمت.

وقالت بصوت ضعيف:

لم يمت المجلس… بل كبر.

وفي تلك الليلة رحلت أم فاطمة بهدوء.

وكأنها أنهت مهمة طويلة كانت تعرف أنها لن تنتهي إلا بهذا الشكل.

في اليوم التالي، اجتمعت النساء كما في كل سنة.

لكن شيئاً واحداً كان مختلفاً.

لم يعد هناك خوف من الفقد.

لأنهن أدركن أن المجلس لم يكن شخصاً.

بل روحاً تنتقل من يد إلى يد.

ومن قلب إلى قلب.

ومع مرور السنوات، أصبح مجلس النساء أكبر من البيت نفسه.

انتقل إلى حسينية صغيرة.

ثم إلى قاعة أكبر.

لكنهن حملن معهن نفس الروح.

نفس البساطة.

ونفس الدموع الصادقة.

وكان كل جيل جديد يدخل إلى المجلس، يجد مكانه محفوظاً دون أن يُطلب منه شيء.

فقط يجلس… ويتعلم.

وفي كل ليلة عاشوراء، كان هناك صوت خافت يتردد بين النساء:

هذا المجلس بدأ بامرأة واحدة… لكنه صار طريقاً لجيل كامل.

وهكذا بقي المنبر حياً في قلب النساء كما في الرجال.

وبقي المنبر يضيء البيوت كما يضيء الحسينيات والمساجد.

لأن النور لا يعرف جنساً ولا عمراً.

بل يعرف فقط القلوب التي تحمله.