أبو رغيف: إذا ابتلع “التكليف” الدولة فمن المنقذ؟!
رياض الفرطوسي ||

حين يشرّح المفكر العراقي رحيم أبو رغيف المشهد السياسي والاجتماعي، فإنه لا يقف عند حدود القشرة المصابة بالفساد أو المحاصصة، بل ينفذ بمبضع الجرّاح إلى العصب العاري للأزمة.
وقد تجسد هذا الطرح بوضوح وجرأة في مقابلته الأخيرة مع الإعلامي نجم الربيعي، والتي أثارت تفاعلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والسياسية؛ لما حملته من تشخيص دقيق لبنية الوعي الديني الذي تحوّل من أفق قيمي إلى أيديولوجيا سلطوية تتقاطع مع مفهوم الدولة الحديثة.
إن المعطيات التي طرحها أبو رغيف في هذا اللقاء تضعنا أمام معضلة الفلسفة السياسية المعاصرة في المنطقة بكاملها؛ وهي معضلة التنازع بين “السيادة القانونية والمؤسساتية” في مواجهة “المفهوم العقائدي العابر لحدود الدولة”.
ومن موقع القراءة الموضوعية لهذا الحوار، يبدو من الضروري مناقشة هذه الأفكار لتعميق الأثر الفكري لنقاش هادئ يحتاجه الوعي العام للخروج من ثنائية التخوين والتقديس، والوصول إلى فهم واقعي لآليات الإنقاذ الممكنة.
يبدأ أبو رغيف في حواره مع الربيعي برفض صفة “الإسلامي” بمفهومها الحزبي الأيديولوجي، انطلاقاً من رؤية ترى أن الأديان لم تأتِ لتقديم نظرية جاهزة في إدارة الدولة أو هندسة الأنظمة السياسية، بل جاءت لتقديم قيم ومبادئ أخلاقية كبرى تضبط السلوك البشري.
هذا الطرح يجد سنده التاريخي والفلسفي في أن “الدولة” هي اختراع بشري وتطور مدني محكوم بظروف الزمان والمكان وآليات المصلحة العامة والتعاقد الاجتماعي. إن محاولة تأويل النصوص عبر القرون لإيجاد “نظرية دولة” دينية كانت في كثير من الأحيان استجابة لضرورات سياسية وتاريخية وفرتها ظروف تلك العصور لضمان الاستقرار، وهو ما يطلق عليه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر “الشرعية التقليدية” التي تتوسل بالمقدس لحكم الوعي الجمعي.
ومن هنا، يرى أبو رغيف أن التوسع في الموروث الروائي والتأويلي على حساب المقاصد الكلية للنص الديني، قد استُغل من قبل القوى السياسية لشرعنة وجودها وإقصاء خصومها، مما أفقد العمل السياسي “شرف الخصومة” وحوّله إلى صراع بين “مقدس” و”مدنس”، وهو ما يعطل إمكانية النقد والتطوير داخل بيئة الدولة.
ولكن العقدة الأكثر تشابكاً وإثارة للجدل في الواقع المعاش، والتي كانت المحور الأكثر سخونة في مقابلة نجم الربيعي، تتبلور في مسألة “السلاح والتكليف الشرعي”، وهنا تكمن الحاجة الحقيقية للتحليل المعتدل والمحايد . حين تطرح الفصائل المسلحة مفهوم “التكليف الإلهي” مبرراً للاحتفاظ بسلاحها وخياراتها العسكرية، فإن هذا المفهوم يقع في تصادم بنيوي مع مفهوم “المواطنة” وحصر العنف بيد الدولة.
إن استدعاء أبو رغيف لقاعدة “دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة” يمثل محاولة للتفكيك من داخل البنية الفقهية نفسها؛ حيث يرى أن تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري يخلق مفسدة “الفوضى وغياب الاستقرار”، وهي مفاسد ملموسة تؤثر مباشرة على حياة المواطنين وفرص التنمية والخدمات.
وفي هذا السياق، يتقاطع الطرح مع الفلسفة السياسية الحديثة، وتحديداً مع أفكار توماس هوبز في كتابه “اللوياثان”، حيث يُنظر إلى الدولة بوصفها الكيان الوحيد المخول باحتكار العنف الشرعي لحماية الأفراد، وبدون هذا الاحتكار تضعف قدرة الدولة على فرض القانون وحماية السلم الأهلي.
ومع ذلك، فإن قراءة الواقع تقتضي النظر إلى الوجه الآخر للمسألة لتجنب التبسيط؛ فالدولة العراقية الحالية تعاني من هشاشة بنيوية، وتنافس طائفي، وفجوات فادحة في الكفاءة والنزاهة، مما يطرح سؤالاً واقعياً حول مدى جاهزيتها وقدرتها السياسية على الاستئثار الكامل بقرار الحرب والسلم في ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد.
إن غياب الكفاءة والسيادة الكاملة يخلق ما يمكن تسميته بـ “الفراغ الحمائي والشرعي”، وهو الفراغ الذي تحاول الفصائل ملأه مستندة إلى تحديات حقيقية يفرضها محيط إقليمي مضطرب وذاكرة مثقلة بالتدخلات الأجنبية. غير أن معالجة هذا الفراغ لا يمكن أن تتم عبر تكريس الازدواجية؛ لأن شرعية المقاومة أو الدفاع، مهما كانت مبرراتها في لحظة تاريخية معينة، لا يمكن أن تكون بديلاً مستداماً عن شرعية المؤسسات الرسمية.
إن استمرار تغييب القرار الوطني الموحد لصالح خيارات أيديولوجية فرعية، قد يدفع بالبلاد نحو مواجهات لا يتحملها النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع.
إن تشخيص أبو رغيف لـ “صراع الهويات الفرعية” على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وتنبيهه إلى خطورة استخدام خطاب المظلومية والتجهيل لتوجيه الجماهير، يتقاطع مع القراءات السوسيولوجية المعاصرة التي ترى كيف تتحول المكونات الاجتماعية الطبيعية إلى أدوات سياسية تُستخدم لإعادة إنتاج السلطة والنفوذ.
وإذا كان “التكليف” بصيغته الحالية مهدداً بابتلاع فكرة الدولة، فإن “المنقذ” لن يكون طرفاً واحداً أو حلاً سحرياً، بل يكمن الإنقاذ في العودة إلى “التكليف الوطني والإنساني” الأسمى؛ وهو بناء دولة المواطنة المتساوية، ومراجعة الأفكار السياسية بوصفها اجتهادات بشرية قابلة للنقد والتصحيح.
إن المخرج الحقيقي يتطلب توازناً دقيقاً يضمن تقوية مؤسسات الدولة ورفع كفاءتها ونزاهتها، لتكون هي الحصن الفعلي والحامي الوحيد لجميع مواطنيها، وحينها فقط يمكن للهوية الوطنية الجامعة أن تستوعب الجميع دون إقصاء أو تغييب.




