الخميس - 18 يونيو 2026

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا..!

منذ 3 أسابيع
الخميس - 18 يونيو 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿الحج: 38﴾

الصراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين الإيمان والكفر، من سُنَنِ الحياة الدنيا، وهذا ما يُعرَف في القرآن الكريم بِسُنَّة التدافع، حيث يقول تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿البقرة: 251﴾
وقال سبحانه: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ﴿الفرقان: 31﴾.

الدنيا –من منظور القرآن الكريم- دار ابتلاء وتكامل، محطة عبور إلى نشأة أخرى، وليست دار استقرار، والابتلاء لا يتحقق إلا بوجود البدائل، ولا معنى للاختيار إذا لم توجد إمكانية للانحراف كما توجد إمكانية للهداية، فالإنسان ليس مخلوقًا مُجبرًا على الخير، بل كائن أُعطي العقل والفطرة والقدرة، ثم تُرك ليختار مساره بإرادته.

كما يقول تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿الإنسان: 3﴾ ومن هنا كان وجود الصراع نتيجة طبيعية لهذا الاختيار. ناهيك عن أن هذا التدافع هو تجلٍّ لحركة القيم على طول التاريخ،

فالحق لا يظهر واضحًا جَلِيًا إلا حين يقاومه الشر، كما أن معدن الإنسان لا يظهر إلا حين يواجه الضغوط المختلفة، فضلًا عن أن الإنسان يتعرّف إلى نفسه، وينكشف له ما يختزنه من قابليات وقدرات، ولذلك كانت المحن، ضرورة من منظور القرآن لتربية الإنسان من جهة، ولفرز الناس من جهة أخرى،

قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴿آل عمران: 179﴾.

وعلى أي حال فإن الأصل في الحياة الإنسانية هو الهداية والرحمة وإقامة العدل، لكنّ وجود الأهواء والمصالح والطغيان يجعل التدافع ضرورة لحفظ التوازن الأخلاقي والإنساني، فلو استسلم أهل الحق دائمًا، لتضخّم الباطل حتى يفسد الاجتماع البشري كله. ولهذا عبّر القرآن عن التدافع بوصفه أداةً لمنع الفساد الشامل.

وإذا كان التدافع، -الذي يتجلى في الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، والأخيار والأشرار، والإيمان والكفر- سُنَّة ربانية من سُنَنِ الحياة، فإن من سُنَنِ الله أيضًا أن يدافع الله عن عباده المؤمنين، فالمؤمنون ليسوا متروكين وحدهم في ميدان صراعهم مع الأشرار والكفّار، ودفاع الله عنهم متواصل لا يقتصر على جماعة منهم، فكل جماعة آمنت بالله، وسارت على صراطه المستقيم، ونهضت إلى أداء تكاليفها طاعة لله، فهي في عين الله وحمايته، والله تعالى يدافع عنها وينصرها ويسددها ويهيّء لها من أمرها رَشَدًا.

إنَّ دفاع الله عن الذين آمنوا ليس بالضرورة أن يمنع عنهم الألم، أو يعفيهم من أن تصيبهم مصائب، أو يقعوا في محنة، أو يجنِّبهم الخسائر، فما أكثر ما تعرَّض له الأنبياء والرُّسُل والمؤمنون والصالحون من قتل وتشريد وحصار على طول التاريخ.

وإنما يعني أن الله يحفَظ مشروع الإيمان من السقوط، ويحفظ القيم الحقّة التي يؤمنون بها من الاندثار، ويدافع عنهم بالحجة والبيان، ويدافع عنهم بإسقاط مشاريع الظالمين من حيث لا يحتسبون، ويدافع عنهم بإحياء روح الصمود في داخلهم، ويدافع عنهم بتفكيك الباطل من داخله، لأن الباطل يحمل بذور فنائه في ذاته، ويدافع عنهم من خلال التحولات التاريخية التي تُعيد التوازن بعد طغيان الانحراف، ويمنحهم التسديد والثبات والبصيرة، مما يجعلهم قادرين على الاستمرار في طريقهم حتى يبلغوا الغايات التي تسرُّهم.

إنَّ المؤمنين أولياء الله، والله وليّهم، “يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” أي يتولى أمرهم في مسيرتهم وسط ظلمات الفتن والتدافع، فحين يدخل في ولاية الله يصبح مشمولًا بنوع من العناية الخاصة، لا تعفيه من سُنَن الدنيا، ولكن تمنحه قدرةً على العبور خلالها دون أن ينكسر معنويًا وروحيًا.

ومن هنا يمكننا فهم سرّ بقاء خطّ الأئمة من أهل البيت الأطهار (ع) رغم ما تعرّضوا له من قتل وتشريد وحصار عبر القرون، إن هذا البقاء هو من أجلى مظاهر دفاع الله عنهم وعن خطهم الرباني المتواصل إلى يومنا هذا، والباقي إن شاء الله حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

إن قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا” يبثّ في قلب المؤمن طمأنينةً عميقة، ويقينًا عظيمًا برعاية الله وعنايته وحمايته، فهو لا يخوض معركة الحقّ منفصلًا عن العناية الإلهية، ولا يتحرك في مواجهة الباطل والظلم وحده لا يحميه أحد، بل يتحرك وهو بعين الله، وفي كنفه، والله يرى ضعفه، ويعلم ما يقدر عليه وما يعجز عنه، ويتدخّل لنجدته حين يحتاج إليه، ولا يتركه دون عونه وتوفيقه.

فجر يوم الأحد الواقع في: 31/5/2026 الساعة (04:10)