محطة من محطات جهاد السيد ابو مهدي الهاشمي يرويها بن اختنا حسن مطر بعنوان: كان من الأفذاذ..!
حسن مطر ||

شهد العراق في عصر الطاغية صدام فترة قلّ مثيلها في التاريخ، حتى أصبح الأخ لا يُستأمن على أخيه، والأب لا يأمن جانب ولده، وأمسى العراق أشبه ما يكون بيوم القيامة الذي يفرّ فيه المرء من أخيه وصاحبته وبنيه!
في ظل تلك الأجواء كان حكم الإعدام هو الحكم المخفف الذي يطال المواطن إذا عطس ابن عمّه في وجه نصير في حزب البعث! كانت الاعدامات من الكثرة بحيث تجرّأت الأستاذة المصرية (صافي ناز كاظم) ذات يوم ـ وكانت حينها تدرّس في إحدى جامعات بغداد ـ وسألت واحداً من جلاوزة النظام: (ألا تعرفون أحكاماً أخرى غير الإعدام)؟!!
في تلك الأجواء تشتت شمل الأسرة ما بين هارب إلى خارج القطر أو سجين أو معدوم بجريرة الهاربين، وطال الاضطهاد أعمامي وأخوالي أيضاً، ولم يسلم منهم إلا واحد من أخوالي كان يدرس في كلية النفط في الموصل؛ فبعد اعتقال جميع إخوته ترك الجامعة كي لا يلقى عليه القبض هناك، ولم يرجع إلى حيث يقطن في العمارة، وآثر الاختباء عندنا في البصرة حيث لا يعرفه أحد في منطقتنا؛ لأنه لم يكن يأتي إلا في فترات متباعدة جداً. بيد أن المقام لم يستقر به إلا قليلاً حتى اكتضت المنطقة بجحافل العساكر، وأطبق الحصار عليها من جميع الجهات، وسدّت كل المنافذ!..
وما هي إلا لحظات حتى كان هناك ضرب شديد على الباب كاد يقتلعه من أساساته! خرج إليهم جدي، وقالوا له: أخرج إلينا الشخص المشبوه المختبئ عندك! ..
أنكر جدي بطبيعة الحال أن يكون هناك في البيت غيره وغير النساء، بعد أن كان جميع أبنائه بين ضيوف عند النظام رغم أنفهم، أو هارب خارج القطر أصلاً! ..
وبين الاتهام والإنكار كان هناك متسع من الوقت، لتقوم إحدى عماتي بإرشاد خالي إلى التوجّه ناحية السطح ثم القفز على سطح جارنا الواقع إلى يسار سطحنا، ثم تجاوزه إلى سطح جارنا الآخر، والنزول إلى بيته، وطمأنته بأنه سيجد المأمن هناك، كل ذلك دون أن يكون هناك تنسيق مسبق!
وبعد أخذ ورد بين جدي والمسؤول البعثي تمّ اقتحام البيت من قبل أرجاس النظام، وتمّ تفتيشه بدقة، دون أن يتمّ العثور على خالي، الذي كان قد سارع إلى تنفيذ الإرشادات التي زودته بها عمتي، ودخل على بيت لم يسبق له أن دخله أبداً.. ولكنه وجد كل الترحيب في ذلك البيت، رغم البطش والقسوة التي كان يمتاز بها النظام السابق، ورغم الجوّ المشحون الذي عاشته محلتنا في تلكم اللحظات!
كان خالي رغم الدفء الذي أشعره به أهل ذلك البيت يعيش حالة من القلق، مخافة اقتحام البيت للبحث عنه، والتسبب لصاحب هذا البيت وأسرته بورطة لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل!..
وكان من حق خالي أن يقلق؛ لأن اقتحام بيوت الجيران للبحث عن المطلوبين لم يكن مستبعداً عن أولاد ابن صبحة!
ولكن من حسن حظ خالي أن صاحب هذا البيت لم يكن سوى جارنا الحاج أبي ياسين الخشالي. الذي تصرّف بحكمة في تلك اللحظة، حيث قام تحت إصرار خالي ـ الذي كان يلح عليه بالسماح له في الخروج من البيت وعدم التسبب له ولأسرته بكارثة ـ برسم خطة كتب لها النجاح بفضل سرعة بديهته؛ حيث ألبسه دشداشة وكوفية ووضع على رأسه عقالاً وشرّد به من الباب الرئيس وهو يقذفه بأنواع اللعنات والويلات أمام مرأى ومسمع من قوات الأمن المحتشدة قائلاً له بصوت يسمعه الجميع:
لم أتخلص منكم ومن مشاكلكم حتى بعد هروبي منكم واستقراري في البصرة؟!!..
تأبون إلا أن تتسببوا لي بجلطة قلبية!!.. هل هذا هو الذي يريحكم ويرضيكم وقد بلغت هذا المبلغ من العمر؟!!..
إذهب يا ولدي إلى أبيك، وقل له: إن الحاج طه لا يريد مالاً، ولا يطلب شيئاً من الإرث والتركة!! لا أريد إلا أن أقضي آخر عمري في هدوء بعيداً عن المشاكل!
وهنا تدخل المسؤول الأمني وقال لخالي: أما تستحي وأنت تؤذي هذه الشيبة؟!. طأطأ خالي خجلاً، ودخل في اللعبة وتظاهر بالإنكسار، وتقدم نحو الحاج طه معتذراً وقبّل رأسه وقال له: ها أنا أعدك أمام المسؤول الأمني أن لا نتسبب لك بالمشاكل بعد هذا اليوم، ولكن أبي عندما أرسلني إليك لم يزوّدني بأجرة العودة، وقال لي: إن عمّك هو الذي سيدفعها لك!..
وهنا قام الحاج أبو ياسين وأعطاه مبلغاً كافياً ليبعده عن أعين النظام، وطلب من ولده ياسين أن يوصله إلى حيث مأمنه، وهكذا نجا خالي من موت محتم بفضل هذا الرجل الصالح بعد فضل الله!
بقلم: حسن مطر.




