إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ..!
✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿38﴾ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿هود: 39﴾.
حكى القرآن الكريم هذا الموقف عن لسان نبي الله نوح (ع) حين كان يصنع السفينة بوحي من الله تعالى في بيئة لا توحي بأي معنى منطقي لصناعة سفينة، حيث إن السُّفُن تبنى في أحواض مخصصة لها على شواطئ الأنهار أو البحار، ولا تُبنى في صحراء بعيدة عن المياه، هذا التناقض الظاهري بين ما يقوم به نوح (ع) من بناء السفينة، وبين البيئة “الصحراء” التي لا تُبنى فيها السُّفُنُ، كان سببًا للسخرية من قومه، الذين قاسوا الأمور بظاهرها لا بباطنها، وحكموا على الفعل في لحظته الراهنة، ولم ينتظروا أن تكشف لهم الأيّام عن الحقيقة.
إن نوحًا (ع) لم يكن يعلم -على ما يبدو- ما سيؤول إليه مصير سفينته التي يبنيها في الصحراء، لكنه كان على يقين من حكمة الأمر الإلهي له ببنائها، فنهض إلى تكليفه ممتثلًا أمر الله، وكان على يقين بأن وراءه حكمة بالغة، ويكفيه ذلك أن يكون واثقًا مِمّا يعمل، مطمئنًا إلى حسن عاقبته، ويكفيه أيضًا أن يكون ممتثِلًا التكليف الإلهي ليثبت أمام سُخرية الساخرين، بل ليكون في موقع الساخر منهم، بالنظر إلى عاقبة أمره وأمر سفينته.
إذا كان ظاهر الأمر يثير السُخرية لدى الناس الذين لا يعلمون شيئًا عن الغد، فإنَّ نوحًا ومن معه من المؤمنين موقنون بحكمة الأمر الإلهي، وأن الغد القريب سيكشف لهم عن حقيقة أخرى غير التي تظهر للناس الآن، لذلك كان هو والمؤمنون أيضًا يسخرون من أولئك الساخرين.
لذلك كان جوابه للساخرين: “إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ” وهو ردٌّ يحمل دلالات عميقة، لا بمعنى التماثل الأخلاقي مع سخرية الجاهلين، بل بمعنى انكشاف المفارقة: من يظن نفسه عاقلاً سيتبين أنه كان موضع سخرية الحقيقة ذاتها.
والسخرية هنا هي في الحقيقة تعبير عن اختلال في ميزان الإدراك: فإن سخرية الكافرين ناتجة عن قصور معرفي لأنهم يحكمون على الواقع من خلال الظاهر فقط، أما سخرية المؤمنين “كما في الآية” فهي نتيجة انكشاف الواقع وظهور الحقيقة، فيتبدل معها موقع الساخر والمسخور منه، وبعبارة أخرى: سخرية الكافرين تنشأ من الجهل بالواقع، والجهل بالحق أو جحوده، بينما سُخرية المؤمنين تنشأ من زهوق الباطل وانكشاف بطلانه.
هذا الموقف يتكرِّر على امتداد التاريخ، إذ هناك من يسخر من المؤمنين، يسخر من خياراتهم، ويسخر من أهدافهم وغاياتهم السامية، ويسخر من نمط عيشهم، والمؤمنون موقنون بما هم عليه، ثابتون، لا تزلزلهم تلك المواقف الساخرة من جهل لا من معرفة، ثم لا تطول الأيام وتتكشّف الحقائق، وتظهر النتائج، ويتحقق للمؤمنين ما كانوا يرغبون في تحقيقه، ويبلغون غايتهم، ويفوزون، ويفلحون.
تعتبر السُخرية اليوم واحدة من وسائل الهجوم علينا نحن المؤمنين بعقيدتنا، وقيمنا، وخياراتنا السياسية، ونمط عيشنا المتميِّز، ولعلها من أبرز وسائلهم لأنهم يفتقرون إلى الحجة في هجومهم علينا، ويعوزهم المنطق والدليل، ويعجزون عن تفنيد خياراتنا وإثبات خطأ ما نعتقد به، فلا يتبقى لهم إلا السخرية في محاولة من النَّيل منا.
ولكن يغيب عن بالهم أنه ليس كل ما يُسخَر منه باطلًا، بل قد يكون حقًا جَلِيّاً، ولكن أهل الباطل يسخرون منه جحودًا له. لذلك لا يتأثَّر المؤمنون بسخرية الجاحدين والمعاندين والحاقدين، بل قد يرتاحون لذلك لأنهم يعلمون أنهم لم يلجؤوا إلى السخرية إلا لضعف موقفهم وانعدام حجتهم، وأنهم خارجون على إرادتهم، وهذا ما يجعلهم يسخرون من أولئك الساخرين.
✍️ السيد بلال وهبي ||
6/5/2026 الساعة (04:35)




