الخميس - 18 يونيو 2026

الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ..!

منذ شهرين
الخميس - 18 يونيو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ||

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿20﴾ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴿21﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿التوبة: 22﴾

تبيّن هذه الآيات الكريمة المنزلة الرفيعة التي لا تسبقها منزلة، والثواب العظيم الذي يقصر دونه كل ثواب، لأولئك الذين يؤمنون بالله تعالى إيمانًا حقيقيًا يملأ كل كيانهم، ويحركهم في دروب الحياة لبنائها على عين الله، والدعوة إلى الحق، وإقامة العدل، وإزهاق الباطل، ومواجهة الظلم، ومقاومة العدوان، وتوفير سبل العيش الكريمة للإنسان الذي كرَّمه الله وفضَّله على كثير مِمَّن خلق.

ولا شك أن ذلك لا يتحقق بسهولة، لأن الشياطين والطواغيت والمبطلين يواجهونه بقوة، ويجيِّشون لمقاومته الجيوش والإمكانيات المالية والاقتصادية والإعلامية، خوفًا على مصالحهم، ويضغطون على المؤمنين، ويضيِّقون عليهم الدنيا إن استطاعوا، ويمنعونهم من التعبير عن آرائهم وممارسة شعائرهم والالتزام بقيمهم بحرية، ممّا يدفع المؤمنين إلى الهجرة إلى بلاد يأمنون فيها على دينهم وأنفسهم وأعراضهم، وقد يضغط العدو نفسه لتهجيرهم من أوطانهم كما يفعل العدو المحتل المجرم في بلاد عاملة الأبيَّة، طمعًا في ضمها إلى كيانه المؤقَّت، فلا يترك وسيلة من وسائل التدمير والقتل إلا ويستعملها لتحقيق هدفه اللئيم.

ومما لا شك فيه أن ذلك لا يدفعه إلا الجهاد والمقاومة، والعدوان لا يردعه إلا ملاقاة العدو في سوح الوغى، أو في أي ميدان من ميادين الجهاد العسكري والسياسي والإعلامي والاقتصادي والمالي، ومن هنا ذكرت الآية الكريمة الجهاد بالأموال والجهاد بالأنفس، وقدَّمت الجهاد بالأموال لأهميته، إذ كيف للمجاهد أن يحصل على عتاده وذخيرته من دون مال، وفي ذلك إفساح في المجال لكل مؤمن أن ينخرط في المعركة ضد العدوان ولو كان بعيدًا آلاف الأميال عن ميدان المعركة، من خلال ما يبذله من ماله لدعم المجاهدين، أو لدعم البيئة الحاضنة لهم، أو ما يبذله في كل سبيل يرفد الميدان بالقوة والمناعة والثبات، كدعم الإعلام الذي يواكب الميدان، ويجبه الحرب النفسية والإعلامية، ويرد على الأباطيل، ويدحض الشبهات.

الآيات الكريمة في مطلع هذه المقالة تعرض لمنازل المؤمنين فيما بينهم، فالمؤمنون الذين هاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله، أعظم درجة عند الله، من الذين آمنوا ولم يجاهدوا ولم يهاجروا، والذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، أعظم درجة عند الله من الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا، وهكذا يتفاوت المؤمنون في منازلهم ودرجاتهم عند الله.

وأعلى درجة عند الله للمؤمنين، هي درجة المؤمنين المهاجرين، الذين جاهدوا فى سبيل الله بأموالهم و أنفسهم بعد أن اجتمع لهم الإيمان والهجرة، فهم الأفضل عند الله، وهم الفائزون في الدنيا والآخرة، وهذا الوصف الإلهي لمقامهم عند الله كافٍ ليشعرنا بعُلُوِّ منزلتهم عنده، وعظيم النِّعم التي يُرزَقونها في الآخرة، فقد وعدهم الله سبحانه وتعالى بالفوز برضوانه وجنّاته، ينعمون فيها بنعيم مقيم، لا ينفد و لا ينقطع أبدًا.

ثم تتكفل الآيتان الأخيرتان ببيان أنواع النعم المعنوية والمادية التي يحصلون عليها في الدنيا والآخرة:

أولى تلك النعم: رحمة الله، فأولئك يرحمهم الله في الدنيا بما يهيئ لهم من الأسباب التي تعينهم على تكاملهم الإنساني، الفردي والجماعي، ويرحمهم في الآخرة بما يُعدُّه لهم من مقامات رفيعة عنده.

والثانية: رضوان الله، وهذا أعظم النعم التي يرغب بها أولياء الله، وهو نعيم معنوي أرقى بكثير من النعم المادية الحسِّية، وتؤكِّد ذلك التجربة الإنسانية، فكم من نعم مادية حِسِّية لم يصحبها رضا نفسي، بينما الرضا النفسي قد يكون مع انعدام النعم المادية، كالقانع مثلا، أو المستأنس بحبيبه، فما بالك بجوار الله تعالى.

الثالثة: جنَّات، وقد جاءت بصيغة النكرة لتترك للخيال أن يتخيَّل ماهيتها وما أعد الله فيها لهم من نعيم مقيم لا ينقص، ولا يفنى، ولا يزول عنهم، خالدين فيها أبدًا

فجر يوم الخميس الواقع في: 23/4/2026 الساعة (04:48)