السبت - 27 يونيو 2026
منذ شهرين
السبت - 27 يونيو 2026

حسام الحاج حسين ||
مدير مركز الذاكرة الفيلية

 

 

 

 

في ظل التحولات السياسية والاجتماعية الراهنة في العراق لم تعد أزمة المجتمع مجرد خلل عابر، بل باتت تعبيرًا عن اختلال بنيوي عميق يطال فكرة الدولة ذاتها. فالدولة هنا لا تعاني فقط من ضعف الأداء، بل من تآكل في معناها ووظيفتها، بما يجعل توصيفها ضمن إطار “الدولة الهشة” أقرب إلى التشخيص الأولي منه إلى التفسير الكامل.

ضمن هذا السياق كان يُفترض أن يشكّل الإعلام ركيزة أساسية في تنظيم الفضاء العام، مجالًا للنقاش العقلاني وإنتاج الوعي. غير أن ما يحدث فعليًا هو العكس تمامًا: إذ لم يعد الإعلام وسيطًا بين المجتمع والحقيقة، بل تحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج الوهم. وتُدار فيه البروباغندا كما تُدار المصالح.

المشكلة لا تكمن في انحراف بعض وسائل الإعلام فقط بل تحولها الى منابر للتسقيط السياسي ،في عملية اندماج عضوي داخل بنية السلطة.

فالنظام السياسي في العراق والذي يتخفّى خلف واجهات ديمقراطية شكلية، يعيد إنتاج نفسه عبر آليات “السلطوية الهجينة”، حيث تُستخدم القوانين لضبط الأعلام وفق رؤيتها الحزبية لا بوصفها قوانين تحمي الحقيقة ، بل كأدوات انتقائية عقابية تُفصّل على مقاس مراكز النفوذ والسيطرة حيث تتراجع الشرعية القانونية لصالح شرعية الشخصية والحزبية على أساس الشبكات الزبائنية. ولا تندهش عندما يمنع اشخاص من الظهور لمجرد انتقاد زعيم فاسد او ايديولوجية عنيفة وبائدة .!

وفي هذا الإطار، لا يعود الفساد انحرافًا عن القاعدة، بل يتحول إلى القاعدة ذاتها. فالإعلام، الذي يُفترض أن يكون سلطة رقابية، يصبح جزءًا من منظومة الفشل والفساد و تبادل المنافع بين اقطاب السلطة الحاكمة و حيث تُشترى المواقف وتُصاغ السرديات وفق منطق السوق السياسي. وبذلك، يتم تفريغ المجال العام من مضمونه، وتحويله إلى مساحة لإعادة تدوير الخطاب الرسمي بأشكال مختلفة.

أما القمع من خلال الحجب والمنع فلم يعد بحاجة إلى أدواته الصلبة. حيث تتحول القوانين والإجراءات إلى وسائل ناعمة لإخضاع المجال العام والنتيجة ليست فقط إسكات الأصوات، بل إعادة تشكيل وعيها وحدود ما يمكن أن تقوله او لا تقوله ومع الزمن، حيث تنهار الثقة، بين المواطن والدولة .

الأكثر خطورة أن الانقسام انتقل إلى داخل النخب ذاتها. فصراع المصالح داخل الطبقة الحاكمة يُترجم إلى خطاب إعلامي متشظٍ، تغذّيه مؤسسات لا تنتج معرفة، بل ضجيجًا. وهنا يبرز “الإعلام الأصفر” ليس كظاهرة هامشية، بل كالسيد الذي يفرض نفسه .

في المحصلة، نحن أمام ما يمكن تسميته بأزمة هيمنة على الأعلام حيث تفشل النخب في إقناع المجتمع تُرفع شعارات الإصلاح، والدولة، والقانون، لا بوصفها مشاريع حقيقية، بل كأدوات لإخفاء واقع متناقض تمامًا لها.

بهذا المعنى، لا تكمن الأزمة في غياب الحقيقة، بل في القدرة المنظمة على تشويهها. ولا في ضعف الخطاب، بل في فائضه الزائف. حيث تتحول “كلمات الحق” إلى غطاء بلاغي لإنتاج الباطل، وتصبح اللغة نفسها جزءًا من الأزمة، لا وسيلة لكشفها.