ضعف الإدارة في العراق وضياع البوصلة القيمية تحت تأثير الضغوط الأمريكية..!
كاظم الطائي/Nor ||

تشهد الدولة العراقية في المرحلة الراهنة حالة من الارتباك الإداري والتضارب في القرارات، الأمر الذي يكشف هشاشة بنية صنع القرار وتعدد مصادر التأثير عليه. ويبرز هذا الضعف بصورة أوضح عند تناول الملفات الحساسة المرتبطة بالمواقف الإقليمية، كما حدث في قضية تصنيف حزب الله وأنصار الله ضمن المنظمات الإرهابية، وهو قرار ظهر بشكل مفاجئ في أحد المنافذ الإعلامية الرسمية، ثم سُحب سريعًا دون توضيح أو تفسير. هذا التردد يكشف مدى الضغوط التي تتعرض لها مؤسسات الدولة، خاصة من الجانب الأمريكي، الذي يسعى إلى فرض اتجاهات سياسية وأمنية على الحكومة العراقية، حتى وإن لم تنسجم مع الموقف الشعبي أو القيم الوطنية المتجذّرة.
إنّ العراق، كجزء من بيئته الإقليمية، لطالما حمل موقفًا واضحًا من قضايا المقاومة، سواء في لبنان أو اليمن، إذ يعتبر أن حزب الله يدافع عن لبنان في مواجهة الاعتداءات، وأن أنصار الله في اليمن يتحركون ضمن رؤية مقاومة للعدوان الخارجي. هذه المواقف ليست مجرد انحياز سياسي بل ترتبط بقناعة عراقية عميقة بضرورة الدفاع عن المظلوم ورفض الهيمنة الأجنبية، وهي قيم تحظى بإجماع واسع داخل المجتمع العراقي. لذلك فإن تبنّي قرارات لا تنسجم مع هذه القيم — ثم التراجع عنها — يعكس انفصالًا واضحًا بين الدولة وبين الهوية القيمية التي يؤمن بها العراقيون.
الارتباط القيمي وضياع البوصلة
إنّ المعضلة الحقيقية لا تكمن في القرار نفسه بقدر ما تكمن في ضياع البوصلة القيمية داخل أروقة الدولة العراقية. فحين تتخذ الحكومة خطوة لا نابعة من قناعة وطنية ولا متكئة على رؤية استراتيجية واضحة، بل نتيجة ضغوط خارجية، ثم تتراجع عنها بما يشبه الإحراج السياسي، فإن المشكلة هنا ليست إدارية فقط، بل قيمية. فقد أصبح القرار العراقي رهينًا لتجاذبات لا تعكس طبيعة المجتمع ولا تعبر عن مصالحه، ما أدى إلى شعور متزايد بأن الدولة تتحرك بارتباك، بعيدًا عن القيم التي شكّلت أساس الوعي الجمعي: الدفاع عن الشعوب، دعم خيار المقاومة، ورفض الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
هذا الانفصال بين الدولة والمجتمع أدى إلى فقدان الثقة، وإلى بروز انطباع عام مفاده أن السياسة الخارجية للعراق لم تعد تستند إلى القيم التي توارثها العراقيون، بل إلى ضغوط ظرفية من قوى خارجية تسعى إلى إعادة صياغة الموقف العراقي وفق رؤيتها الخاصة.
آفاق الإصلاح وإعادة بناء البوصلة الوطنية
ورغم صعوبة المشهد وتعقيداته، تبقى إمكانية تجاوز هذه الأزمة قائمة إذا ما اتجهت الدولة إلى إعادة بناء منظومتها القيمية والإدارية بطريقة تتسق مع المصلحة الوطنية. فاستعادة القرار العراقي تبدأ بإعادة تعريف الإطار القيمي الذي يحكم السياسة الخارجية، واعتبار قيم الدفاع عن السيادة ورفض الهيمنة والوقوف مع الشعوب المظلومة جزءًا من الهيكل المؤسسي، لا مجرد مواقف شعبية تُترك خارج غرف القرار.
ويتطلب هذا المسار عدة خطوات أساسية، أبرزها:
تعزيز قدرة الدولة على اتخاذ قرار مستقل بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
توضيح مرجعية القرار السياسي وربطه بالمصلحة الوطنية وليس بالإملاءات.
إعادة التوازن في العلاقة مع الولايات المتحدة بحيث تكون علاقة دولة بدولة لا علاقة تبعية أو إملاء.
ترسيخ الانسجام بين الدولة والمجتمع، بحيث يكون القرار امتدادًا طبيعيًا للقيم الجمعية التي يحملها العراقيون.
تطوير الإدارة الحكومية بما يقلّص مساحات الارتباك والتراجع ويمنع القرارات المتسرعة أو غير المبررة.
بالتالي
إنّ اعتماد هذه المسارات يمكن أن يفتح الباب أمام معالجة الكثير من المشكلات المتراكمة في الدولة، ويعيد للعراق قدرته على تحديد موقعه ودوره في المنطقة وفق رؤية وطنية مستقلة. وهذا ما يمكن تطويره لاحقًا في كلمة فصل أخرى تتناول بالتفصيل كاظم الطائي وصياغة قرار وطني يستند إلى قيم راسخة لا إلى ضغوط خارجية.




