الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 9 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

علي عنبر السعدي ||

 

بين بروتوس الثوري والقائد … المطاع

“يقول بروتوس النبيل، إن مافعله كان صواباً من أجل إنقاذ روما، وماقاله النبيل بروتوس هو حقّ-لكن —؟”

هكذا بدأ مارك انطونيو خطابه في شعب روما، ليطرح من خلال”لكن” تلك، الأسئلة المحرّمة التي حولت بروتوس ومن معه، من قائد بطل أنقذ روما من دكتاتورية قيصر، إلى متآمر ألحق الأذى بشعب روما بقتل قيصر. لكن هل نملك الحقّ بمجرد طرح أسئلة حول القائد منقذ روما وصائن كرامتها، ومايفعله بنا نحن شعب روما وضحايا قرارات بروتوس النبيل والشجاع؟

كل مجتمع يسوده الدين أو الآيديلوجيا، يشكل البيئة المناسبة لاستيلاد الرمز، بل يصبح الرمز جزءاً رئيساً من تشكله البنيوي روحياً وسلوكياً، ومن ثم معادلاً لحالة استلاب الوعي في مجتمع ما، إلا أن الرمز هنا يأخذ شكلاً احتوائياً معيقاً لتطور العقل الفردي والمنتوج الجمعي على السواء.

الرمز في بنية اجتماعية سليمة، يتشكل نتيجة نبوغ فردي أو قدرة استثنائية أو موهبة مميزة أو تضحيات في سبيل قضية الخ، ومن ثم فرمزيته إنما تنبثق من خصائص فعلية واقعية يتخذها المجتمع، ليس مقياساً حصرياً للصواب، بل مثالاً للتحفيز والاستلهام.

الرمز والحالة هذه، يتحول إلى باعث للتفكير ومنطلقاً للحرية ودافعاً للنمو، كما فعل نيلسون مانديلا أو غاندي أو غيرهم من الرموز الإنسانية والسياسية، الذين لم يكن وجودهم يهدف إلى تكريس زعماتهم وجعل شخصوهم محوراً ، تدور حوله حركة شعوبهم ومصائرها، بل كانت حركتهم تنطلق مما يمكن تسميته”رمز قوي لشعب قوي” .

أن تشكل الرمز في مناخات أخرى كما في المجتمعات العربية مثلاً، يتخذ جانباً سلبياً ، حين يتحول إلى وكالة حصرية لقوى متعالية كلية القدرة ، ينطق باسمها وتلهمه قول الحقّ واتخاذ الصواب، ومن ثم فطاعته تصبح واجباً دينياً وتقرّباً من الله.