الأحد - 30 اغسطس 2026

لماذا يسعى نتنياهو إلى شنّ هجوم على إيران؟!

منذ سنة واحدة
الأحد - 30 اغسطس 2026

مجتبى نيكيان شفتي ||

 

 

 

تحليل استراتيجي للتحوّلات الإقليمية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة وتغيّر ميزان القوى لصالح طهران

في ضوء المستجدات العسكرية والأمنية والدبلوماسية التي شهدتها المنطقة خلال الربع الثاني من عام 2025، تزايدت المؤشرات على أن الكيان الصهيوني يمرّ بمرحلة قلق استراتيجي غير مسبوق إزاء تصاعد قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة. هذا القلق المتراكم يفسّر تنامي الخطاب التهديدي لرئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، ومحاولاته الحثيثة لتحريك خيار المواجهة العسكرية، في ظل شعوره بتآكل “نافذة الفرصة” المتاحة أمام كيانه لتعديل مسار الأحداث.

أولًا: الزمن لصالح إيران
منذ انطلاق الجولة الجديدة من المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن في مسقط بتاريخ 23 فروردين 1404هـ.ش (برابر با آوریل 2025)، بدا واضحًا أن عامل الزمن لم يعد في صالح المشروع الغربي-الصهيوني. لم تتوقف عجلة التفاوض، بل ترافقت مع مكاسب ميدانية وتكنولوجية لصالح إيران، ما منحها موقعًا أقوى في معادلة التوازن الإقليمي.

ثانيًا: تطورات دفاعية نوعية
شهدت الصناعة العسكرية الإيرانية تطورًا لافتًا، تمثّل في دخول صواريخ ثقيلة بعيدة المدى مثل “قاسم بصیر” إلى مرحلة الإنتاج الكمي، بالإضافة إلى تطوير أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ البالستية. هذا التحول لا يحمل بعدًا تقنيًا فحسب، بل يغيّر من توازن الردع في المنطقة، ويمنح طهران قدرة هجومية وردعية متكاملة.

ومن الناحية البنيوية، تتمايز القوات الإيرانية والمتحالفة معها عن نظيرتها الأميركية والصهيونية، إذ أنها لا تتقيد بالبنية الكلاسيكية المغلقة، بل تنمو وتتكيف باستمرار، وتُدخل تكتيكات وأسلحة جديدة بوتيرة ديناميكية تُربك خصومها.

ثالثًا: اختراقات أمنية حاسمة
تمكنت أجهزة الأمن الإيرانية، خلال الفترة الأخيرة، من تنفيذ عمليات نوعية ضد أهداف صهيونية، لا سيما في الفضاء السيبراني، حيث أُعلن عن تسريب وثائق نووية حساسة من داخل الأراضي المحتلة. وعلى الجانب الدفاعي، أُحبطت عشرات العمليات الإرهابية التي خططت لها أجهزة معادية لاستهداف الداخل الإيراني.

رابعًا: استقرار اقتصادي نسبي
رغم الضغوط الاقتصادية المتواصلة، تمكنت الحكومة الإيرانية من إدارة تقلبات السوق النقدي بصورة تُقلّص من تداعيات التوترات السياسية. هذه الإدارة وفرت نوعًا من الاستقرار النسبي في الداخل الإيراني، وأفقدت الأطراف المعادية أحد أهم أدواتها التخريبية: سلاح الاقتصاد.

خامسًا: تصدّع في جبهة الخصوم
أظهرت التحركات الدبلوماسية الإيرانية، ولا سيما ما يتصل بالتفاوض مع الولايات المتحدة، بوادر تشقّق في المعسكر الغربي-الصهيوني. برز ذلك من خلال تعمّق التناقضات بين جناح نتنياهو المتطرف في إسرائيل وتيارات اليمين الأميركي المرتبطة بدونالد ترامب، ما أضعف من تماسك جبهة الخصم.

سادسًا: تسارع في البرنامج النووي
أعلنت إيران عن تشغيل ثالث منشأة آمنة لتخصيب اليورانيوم، وهي منشأة ستشكّل مركز ثقل لمستقبل الصناعة النووية في البلاد. كما زادت وتيرة التخصيب في مفاعل فردو بشكل غير مسبوق، مع استخدام أجهزة طرد مركزي من الجيل السادس، ما رفع القدرة التخصيبية إلى عشرة أضعاف.

سابعًا: صعود محور المقاومة
في الساحة الميدانية، حقق محور المقاومة تقدمًا نوعيًا. فقد تمكّن الجيش اليمني من توجيه ضربات متكررة إلى مواقع استراتيجية إسرائيلية، بما في ذلك مطار “بن غوريون”، فيما تستمر عمليات الاستنزاف داخل غزة. أما في لبنان، فقد ثبّت حزب الله حضوره على الجبهة الشمالية، وبدأت المقاومة في سوريا تأخذ طابعًا رسميًا أكثر وضوحًا.
هذه التطورات زعزعت الرؤية التي روّج لها نتنياهو عن “إمكانية كسر المقاومة”، وأثبتت أن زمن الحروب السريعة انتهى، وأن المقاومة دخلت مرحلة التثبيت الاستراتيجي.

ثامنًا: التحديات الإيرانية
بالرغم من التقدم الإيراني، فإن المرحلة لم تخلُ من تحديات، أبرزها الضغوط الإنسانية في غزة، اغتيال شخصيات محورية في المقاومة كـ محمد سنوار، وكذلك تصاعد الهجمات على اليمن، ونقص الطاقة في الداخل الإيراني، والانفجار العرضي في بندرعباس، إلى جانب تسارع خطوات التطبيع من قِبل دمشق. إلا أن هذه الأحداث بقيت محدودة الأثر، ولم تغيّر من الاتجاه العام لصعود إيران ومحورها.

خاتمة:
تُظهر المعطيات أن نتنياهو لا يملك ترف الوقت ولا أدوات التغيير الفعّالة. إنه يواجه واقعًا يتمثل في تراجع القدرات الاستخبارية والعسكرية للكيان، مقابل تصاعد في نفوذ وقدرات إيران ومحورها الإقليمي. لهذا، فإن خطابه التصعيدي، ورغبته المُعلنة في شنّ حرب ضد إيران، لا تعكس قوة هجومية بقدر ما تعبّر عن يأس استراتيجي ورد فعل انفعالي تجاه ضياع آخر أوراق الردع.

إن سعيه نحو الحرب، في هذا السياق، هو محاولة يائسة لتعديل قواعد الاشتباك وخلط الأوراق قبل فوات الأوان. ولكنه – وفق المؤشرات – يُقْدِم على معركة خاسرة، قد تكون القشة الأخيرة التي تقصم ظهر المشروع الصهيوني.