اليمن: سيناريو مشابه أم تحدي جديد؟!
محمود المغربي ||

إذا كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم. هذا ما يمكن أن يُقال اليوم عن المشهد السياسي والوضع الداخلي المعقد الذي تعاني منه بلادنا.
لقد تعرضت سوريا لمؤامرة دولية واسعة النطاق تحت مسمى “الربيع العربي”، كادت تقضي على الدولة والكيان لو لم تتدخل قوى المقاومة الإقليمية، وعلى رأسها إيران وحزب الله، اللبناني وما قدما من تضحيات كبيرة ساعدت في صد الانهيار، ووقف زحف الجماعات المسلحة التي كانت تسعى للإطاحة بالنظام والدولة السورية.
وبفضل الدعم العسكري والميداني الذي قدّمه الحلفاء، استعاد الجيش العربي السوري السيطرة على معظم المناطق التي كانت تحت سيطرة الجماعات الإرهابية والميليشيات الموالية للخارج. وكان من الضروري ألا يتوقف الجيش عند هذه الحدود، بل الاستمرار حتى يتم تطهير كامل التراب السوري من التنظيمات المتطرفة التي تم استيرادها من مختلف دول العالم، وعدم القبول بأي حلول نصفية مهما كان الثمن.
لكن النظام السوري لم يكن صاحب القرار النهائي، ورضخ للمطالب الدولية والإقليمية، لتدخل سوريا بعدها في حالة من “اللا سلم واللا حرب” تحولت بفعل الحصار والعقوبات إلى واحدة من أسوأ الفترات في تاريخ البلاد، وأصبحت أكثر قسوة من سنوات الحرب ذاتها.
استنزفت طاقة الشعب وتبددت الآمال، حتى أصبح السؤال الشائع بين الناس: “متى يأتي نصر الله؟”، وبدأ الجميع بالبحث عن أي مخرج من هذه الأزمة، مهما كان الثمن.
وأدركت كل الأطراف، بما في ذلك قيادات الجيش وأنصار النظام، أن الخروج من الحصار والجمود والعزلة الدولية لن يكون ممكنًا إلا بالتخلص من النظام نفسه، الذي أصبح مرفوضًا عربيًّا ودوليًّا، وحتى لدى حلفائه الذين باتوا يعتبرونه عبئًا ثقيلاً عليهم. وقد أدرك هؤلاء أن الحفاظ عليه بات مكلفًا للغاية، خاصة بعد أن بدأ النظام نفسه يشعر بفقدان الشرعية والدعم، وبدلًا من أن يتخذ خطوات نحو الإصلاح أو التحرك المستقل، انخرط في مغازلة الأنظمة العربية والخليجية الفاسدة والتابعة لأمريكا، وهي أنظمة كانت سببًا رئيسيًّا فيما حلّ بسوريا من دمار، مما زاد الطين بلة، ودفع الحلفاء إلى التخلص من أوزار النظام السوري الفاشل.
ما هو أكثر إثارة للانتباه أن نفس السيناريو الذي عاشته سوريا يُطبَّق الآن في اليمن، وبشكل شبه كامل، وبمساعدة من الدولة في صنعاء، سواء بقصد أو دون قصد. ولا نعلم إن كان أصحاب القرار في اليمن يعون تمامًا هذا التشابه أم لا. كما يقال: “إن كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.”
مع الفارق أن اليمن تمتلك اليوم القوة العسكرية والبشرية والسياسية اللازمة لتغيير الواقع، وكسر الحصار، والخروج من حالة العزلة والجمود، وفرض السيادة الوطنية، وتحرير كامل التراب الوطني، واجبار النظام السعودي والإماراتي على تحمل المسؤولية الكاملة عن تبعات عدوانهم الغاشم على الشعب اليمني، وذلك بالقوة، بعيدًا عن الحوارات والمفاوضات التي تديرها الأمم المتحدة بمساعدة الأطراف الدولية، والتي لم تُحقِّق شيئًا سوى المزيد من التسويف والتمادي.
فالتجارب التاريخية تؤكد أن الحقوق لا تُوهب، بل تُنتزع، وأن لا خير يُرجى من جارة السوء التي اختارت جانب الظلم والعدوان. فهل من مدكر؟ وهل من مستيقظ يعي الخطر قبل فوات الأوان، خصوصا أن الوقت ليس في مصلحتنا بل في مصلحة العدو الذي يراهن على عامل الوقت والوضع الداخلي المزري وعلى الأدوات الفاسدة والفاشلة التي تزيد الوضع سوء.




