الجمعة - 06 نوفمبر 2026
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

حسن عبد الهادي زاير العكيلي ||
كاتب في الشأن العراقي وسياسات الهجرة والنزوح

 

 

 

ليست المشكلة في افتقار العراقيين في الولايات المتحدة إلى الكفاءات أو الطاقات أو الشخصيات القادرة على الوصول إلى مواقع التأثير السياسي، بل في سؤال أكثر عمقا: لماذا لم تستطع الجالية العراقية، حتى الآن، تحويل وجودها السكاني والاجتماعي إلى حضور سياسي مؤثر يصل بأحد أبنائها إلى الكونغرس الأمريكي؟

إن تجربة شخصيات مثل عبدول السيد وعباس علوية تفتح بابا للتأمل في قدرة الجاليات المهاجرة على إنتاج شخصيات سياسية مؤثرة، وتحويل حضورها الاجتماعي إلى قوة انتخابية ومؤسساتية، دون أن يعني ذلك أنهما يمثلان الجالية العراقية أو يعبران عن واقعها.

وهنا تبرز المفارقة العراقية: كيف لجالية تضم كفاءات وأكاديميين ورجال أعمال وأصحاب خبرات أن تبقى محدودة التأثير في صناعة القرار السياسي الأمريكي؟

هل نحن أمام جالية عراقية واحدة يجمعها الانتماء إلى الوطن، أم أمام تجمعات متفرقة تتوزع بين الهويات الطائفية والقومية والمناطقية والحزبية، بحيث تتقدم الانتماءات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة؟

إن الوصول إلى الكونغرس لا يتحقق بالكفاءة الفردية وحدها، بل يحتاج إلى تنظيم سياسي، وشبكات دعم، وتمويل انتخابي، وتحالفات اجتماعية، وفهم لطبيعة النظام الانتخابي الأمريكي. وهذه أدوات يمكن للجاليات أن تبنيها متى امتلكت الرؤية والإرادة.

لكن المشكلة العراقية أعمق من مجرد ضعف التنظيم؛ إذ يبدو أن بعض انقسامات الداخل قد انتقلت مع العراقيين إلى بلدان المهجر، فتحولت الجالية، بدلا من أن تكون مساحة لتجميع الطاقات، إلى انعكاس آخر لتشظي المجتمع العراقي.

في المقابل، أدركت جاليات مهاجرة أخرى أن المشاركة السياسية مشروع تراكمي يبدأ من المجالس المحلية والبلديات، ويتطور عبر المؤسسات الحزبية والانتخابية، وصولا إلى مراكز التشريع وصناعة القرار.

ولعل السؤال الأهم ليس لماذا لم يصل عراقي إلى الكونغرس الأمريكي فحسب، بل لماذا لم نستطع بناء مؤسسة عراقية فاعلة في المهجر، قادرة على جمع الطاقات، وتمثيل المصالح، والدفاع عن قضايا الوطن، والاستثمار في الأجيال العراقية الجديدة؟

نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الجالية بوصفها تجمعا بشريا إلى مفهومها بوصفها قوة اجتماعية وسياسية منظمة. نحتاج إلى مشروع عراقي يتجاوز الطائفة والقومية والحزب، ويؤسس لهوية وطنية جامعة، ويشجع العراقيين وأبناءهم على الانخراط في الحياة العامة والسياسية في البلدان التي يعيشون فيها.

فنجاح عراقي في الوصول إلى موقع مؤثر في مؤسسة تشريعية أو سياسية في بلد المهجر ليس إنجازا شخصيا فحسب، بل فرصة لبناء جسور المصالح وتعزيز الحضور العراقي في دوائر التأثير الدولي.

فالجاليات لا تصبح قوة بمجرد عدد أفرادها، بل بقدرتها على تحويل هذا العدد إلى مؤسسات ومصالح ومشروع وتأثير.

وربما آن الأوان لأن نطرح السؤال بصراحة: هل نريد جالية عراقية تكتفي بالعيش في بلدان المهجر، أم نريد حضورا عراقيا منظما يمتلك الصوت والموقف والقدرة على المشاركة في صناعة القرار؟

العراق لا يحتاج إلى جاليات تحمل اسمه فحسب، بل إلى طاقات تعرف كيف تحوّل انتماءها إليه إلى قوة وتأثير.