أبعد من الطريق.. الحلقة السابعة عشرة: محراب الجمال..!
عهود الاسدي ||

ثمة جمال لا تحيط به المرايا، وسر لا تفك شفرته العيون، يسكن في وقار امرأة أدركت أن الأنوثة ليست انكشافا، وأن الحضور لا يحتاج إلى ضجيج، وأن في الستر فتنة من نوع آخر، فتنة الروح حين تتقدم، فيفسح الجسد لها الطريق.
لم يكن الحجاب في وجدان المؤمنات ثوبا عابرا، بل عهدا بين الروح وربها، وقيمة تناقلتها شرائع وتقاليد عريقة، واختلفت صورها وبقي للحياء مقامه. وفي الإسلام، هو واجب شرعي لا تبدله صيحات الموضة، ولا تنتقص من قدره أذواق العابرين. فكيف يستكثر على امرأة أن تعتز بما تؤمن به، بينما يُسوق لها أن التحرر لا يكتمل إلا بالتخفف من سترها؟
وللحجاب روح تتجاوز حدود القماش، حياء يصون العين من الحرام، ولسان يعرف للقول ميزانه، وخطوة لا تستجدي الأنظار، وصوت رزين لا تنقصه القوة، وهدوء لا يُشبه الانكسار. حتى الألوان، حين تختارها المرأة بذوق ووقار، تصبح نغمات هادئة في لوحة حضورها، لا صرخة تنافس بها العيون.
فالستر لا يحجب الشخصية، بل يزيح عنها ما قد يطغى على ملامحها الحقيقية، لتُرى الفكرة قبل الصورة، والموهبة قبل المظهر، والإبداع قبل تفاصيل الجسد. وما أكثر العقول التي أضاءت العالم تحت حجاب، والأقلام التي شقت عتمة الصمت، والأرواح التي تركت أثرها عميقا، دون أن تجعل من انكشافها جسرا إلى الاعتراف بها.
هنا، تشرق كربلاء بشمس العفة والحياء، ويزهو طريقنا بحجاب الطهر والإباء، سيدة الخدر والصون زينب الكبرى عليها السلام، حيث اجتمع الستر والشموخ، والعفة والكلمة، والحياء الذي لا يُسكت الحق. لم يكن سترها ستارا يحجب رسالتها، ولم تكن محنتها قيدا على صوتها، وقفت في وجه الطغيان، فكانت للحق لسان لا يهادن، وللكرامة حضور لا تكسره القيود.
تعلمنا أن المرأة لا تُختصر في جسدها، وأن الحياء لا يُطفئ شجاعتها، وأن الستر لا يغلق أبواب الحياة في وجهها، فقد تكون المرأة أشد حضورا حين تكون بكامل عفتها ، وأبلغ أثرا حين يتكلم فكرها، وأعظم قوة حين لا تحتاج إلى التخلي عن قيمها لتثبت أنها قادرة.
فأي حرية تحتفي بخيار وتزدري آخر؟ وأي تحرر يجعل من كشف الجسد شهادة على الوعي، ومن ستره موضعا للريبة؟ إننا لا ندافع عن الحجاب طلبا لإعجاب العابرين، بل إيمانا بوجوبه واعتزازا بقيمته، ولا نستنكر العري والابتذال رغبة في إهانة أحد، بل رفضا لعالم يكاد يختزل الجمال في مساحة مكشوفة، والمرأة في صورة مستهلكة.
ثمة جمال لا تصنعه الزينة، ولا تستنفده النظرات، جمال يزداد حين يتآلف الظاهر والباطن، وتصبح العفة خلقا، والستر موقفا، والحياء نورا لا يخبو.
ذلك هو السر الذي لا تبوح به المرايا، أن تكون المرأة مستورة لا غائبة، رقيقة لا ضعيفة، رزينة لا باهتة، شامخة لا متعالية، وأن تمضي أبعد من الطريق
حاملة من حيائها نورا، ومن عفتها قوة، ومن قيمها أثرا لا تطويه الأيام.




