حتى القنبلة النووية لن تُخرج ترامب من المأزق الإيراني..!
عباس سرحان ||

تتداول الأقلام والشاشات الأمريكية منذ أسبوع سيناريو لم يكن يُطرح علناً بهذه القوة قبل أشهر، وهو أن يأمر الرئيس الأمريكي ترامب بضربة نووية على منشأة “جبل الفأس” الإيرانية قرب نطنز.
لم يعد هذا الحديث حكراً على المعلقين، فقد ناقشه علناً روبرت بيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو وصاحب أشهر دراسة عن عجز القصف الجوي عن فرض الاستسلام، ورأى أن صعوبة بلوغ المنشأة بالسلاح التقليدي قد تدفع واشنطن إلى التفكير في سلاح نووي تكتيكي.
يكشف هذا النقاش حجم المأزق الذي تواجهه واشنطن بعد ثمانية أشهر من حربها على إيران، لكنه يكشف أيضاً سوء فهمٍ لما يمكن أن تحققه القنبلة، وللكلفة التي تترتب على استخدامها.
لا شك أن خيارات ترامب حيال المعضلة الإيرانية محدودة على نحو غير مسبوق.
فالقبول بشروط طهران سيُقرأ على أنه هزيمة لقوة عظمى أمام دولة متوسطة.
أما العودة إلى القصف الجوي، الذي جربته أمريكا طوال أشهر واستنزف ذخائرها وعرّض قواعدها في المنطقة لردود موجعة، فلم تعد خياراً مجدياً.
بين هذين الطريقين المسدودين يتسلل الخيار النووي بوصفه حلاً سريعاً. ربما فكر فيه ترامب بنفسه، وربما همس به في أذنه حليف مثل نتنياهو.
أنصار هذا الخيار يستشهدون بسابقة ضرب اليابان عام ١٩٤٥، حين أنهت قنبلتان حرباً استمرت سنوات.
لكن المقارنة تتجاهل أن اليابان كانت قد استُنزفت عسكرياً واقتصادياً قبل هيروشيما، وأن الولايات المتحدة احتكرت السلاح النووي يومها، بينما تحظى إيران اليوم بغطاء روسي وصيني، وتمسك بمضيق هرمز الذي يكاد يكون مغلقاً أصلاً، وقد يكون في جعبتها من الأسلحة الفتاكة ما لم تستخدمه بعد.
يدرك هؤلاء أن العالم لن يتقبّل بسهولة مشهد غيمة نووية تغطي سماء الشرق الأوسط، لذلك يحاولون تبديد القلق الدولي بتخفيف وقع الفكرة، فيطرحون ما يسمونه قنبلة “تكتيكية”، أي ضربة محدودة تسقط على جبل بعيد عن المدن فلا تصيب إلا الصخور.
غير أن هذه التسمية مخادعة، فالقنبلة القادرة على بلوغ منشأة بهذا العمق تفوق قنبلة هيروشيما قوةً بأضعاف، والغبار المشع الذي ستقذفه إلى السماء لا يوجد ما يمنعه من بلوغ المدن.
ثم إن واشنطن، أياً كان حجم القنبلة أو اسمها، ستكون أول من يستخدم هذا السلاح منذ ناغازاكي.
فإذا تجاوزنا مسألة المحرّم ونظرنا إلى الحساب العسكري وحده، فإن ضربة تقتصر على جبل الفأس لن تهزم دولة بحجم إيران، ولن تجبرها على رفع الراية البيضاء، أما الضربة الواسعة التي قد تفعل ذلك فلا أحد في العالم يجرؤ على تحمّل عواقبها.
لهذا ستبقى إيران قادرة على الرد بعد الضربة المحدودة، ولن تتردد في ذلك، وقد تصل صواريخها هذه المرة إلى قبرص وأوروبا.
أما إسرائيل فستكون حصتها من الرد هي الأكبر والأعنف، لأن طهران ستعدّها شريكة في الضربة إن لم تكن هي من حرّض عليها.
يبقى القانون الدولي عقبة أخرى، وإن كان ترامب لا يعيره بالاً.
فقد خلصت محكمة العدل الدولية عام ١٩٩٦ إلى أن استخدام السلاح النووي يخالف القانون الإنساني الدولي، فضلاً عن أن واشنطن نفسها تعهدت بعدم استخدامه ضد الدول التي لا تملكه.
قد لا يوقف هذا ترامب، لكنه سيضعه في قفص المساءلة أمام الإعلام والتاريخ، باعتباره أول رئيس منذ ترومان يعيد استخدام سلاح ظل محرّماً ثمانين عاماً.
ولن تقف الكلفة عند ذلك، فإذا استخدمت الدولة التي تقود جهود منع الانتشار سلاحها النووي ضد دولة لا تملكه، فلن يبقى لدى أي حكومة حافز للتخلي عنه.
أما إيران فستخرج من تحت الركام أكثر تماسكاً، فقد أثبتت أشهر الحرب الماضية أن القصف يجمع الإيرانيين حول دولتهم أكثر مما يفرّقهم، وستنتقل في الخارج من موقع المتهم إلى موقع الضحية، فيما تجد واشنطن نفسها في عزلة لم تعرفها منذ عقود.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في واشنطن ليس هل تستطيع أمريكا أن تضرب إيران بقنبلة نووية، بل ما الذي سيبقى من مكانتها بعد أن تقدم على تلك الضربة.




