الاثنين - 02 نوفمبر 2026

ملحمة صمود شعب.. الحلقة (15): تجارة الدماء وحقيقة “مملكة القضم”..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 02 نوفمبر 2026

تأليف اللواء الركن الدكتور/ حسن حسين محمد الرصابي ||

 

 

أولاً: الشخصيات والأدوار التمثيلية
. الشيخ (أبو بكر / داعية وموظف المخابرات):
يمثل تيار “سلفية التحالف”. يخطب بحماس مزيف؛ خلع القميص القصير وشذب اللحية وارتدى الملابس العسكرية (نمرة XXL) ويتغنى بالجنة من القصور والمنابر الفارهة، مستفيداً من المخصصات المالية للجنة الخاصة، يتقنفز في المدن والأرياف بهيئته وهيلمانه بينما يدفع بأبناء الفقراء إلى الموت.
. جندب (الجندي اليمني المغرر به):
شاب فقير، دُفع به إلى جبهات باب المندب تحت شعارات الدين والعقيدة لقتال المجوس، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام الحقيقة والخذلان الميداني.
. سالم (صوت الوعي والكرامة):
المثقف والحر الذي تحرر من أقذار الماضي والارتزاق، يقرأ التاريخ والسياسة بعمق ويواجه التزييف الفكري.
. صوت قيادة العمليات (خلف الستار):
يمثل الإملاءات العسكرية الأجنبية التابعة للتحالف وقائد القوات المشتركة.
ثانياً: نص المسرحية (الحلقة 15)
المشهد الأول: المنبر الفاره وخنادق الموت
(المسرح ينقسم إلى جزأين: اليمين منبر مسجد فخم ومضاء ببريق كاذب يظهر فيه الشيخ أبو بكر بهندام أنيق. اليسار خندق بارد ومظلم في جبهة محيط باب المندب يقف فيه جندب يرتدي لباساً مرقعاً ويمسك بسلاحه، وإعياء المعركة يظهر على محياه).
الشيخ (يصرخ بنبرة منبرية حماسية):
أيها الشباب الأطهار! إن باب المندب هو باب الجنة! من دونه يُنتهك الدين والعرض! حيّ على الجهاد! الشهادة تنتظركم، والحور العين في شوق لمقدمكم! تقدموا ولا تهابوا، فمملكة الخير تقف معكم بطيرانها وبمالها ورجالها!
(يلتفت الشيخ إلى خلف الكواليس، فيناوله أحدهم فنجان قهوة فاخر وكعك، فيبتسم بارتياح ويخرج هاتفه المحمول ليتحقق من حسابه).
الشيخ (يحدث نفسه بابتسامة رضا):
ممتاز… وصل مخصص هذا الشهر؛ عشرة آلاف ريال وألفان من آل الجابر السعودي كاملة! التحشيد يجيب ثماره، وكلما زاد الصراخ، زادت العطايا!
(تنتقل الإضاءة بسرعة إلى الخندق المظلم حيث يقف جندب ناظراً بمرارة إلى قطعة خبز جافة).
جندب (متحدثاً بصوت متهدج وموجوع):
سؤال يا مشايخنا الكرام… لماذا لا تذهبون أنتم إلى الجنة التي تبشرون الناس بها؟ ما الذي يؤخركم عنها؟
تستلمون مخصصاتكم، وتعيشون مع أولادكم في أمن ورفاهية، وتتسابقون على الزواج بأربع وخاصة من صغار السن، ثم تدفعون بأبناء الفقراء إلى جبهات الموت! لم نسمع أن واحداً منكم قُتل في المعارك، ولا حتى من قياداتكم الذين يقيمون في مقرات التحالف يأكلون الكبسة مع السعودي، بينما أبناء الناس يسقطون بالعشرات كل يوم! أليست الجنة تستحق أن تسبقونا إليها؟ أم أن الجنة للفقراء مقابل ألف ريال، ولكم أنتم الملايين؟!
المشهد الثاني: التخبط العسكري وسقوط الأقنعة
(يدخل سالم إلى الخندق بخطى واثقة وهادئة، ويضع يده على كتف جندب المنهك).
سالم:
اتقوا الله في أبناء بلدكم! أي حرب هذه التي يزجون بكم فيها دون تدريب ولا تخطيط عسكري محكم، ولا عمل استخباراتي أو لوجستي يحمي أرواحكم؟
تأتي التعليمات مباشرة من قائد القوات المشتركة السعودي فتنفذون عمياناً، والنتيجة: آلاف القتلى والجرحى، وانسحاب كامل القوات من جبال كهبوب باتجاه رأس العارة، ومن بقي في ذوباب قُتل وأُسر الكثير منهم، والبقية استسلموا بعد أن وقعوا في الحصار المحكم!
جندب (بحسرة ودموع تنحدر على خديه):
خدعونا يا سالم… قالوا إن المعركة للدين والعقيدة وأمن الوطن!
سالم (بنبرة صارمة وعميقة):
والله يا أخي، لو كنت أعلم أن التدخلات السعودية في اليمن هي من أجل اليمن؛ لما ترددت لحظة واحدة في أن أكون من المباركين والداعمين لها! ولو كنت أعلم أن حروبها من أجل رخاء وازدهار وأمن واستقرار اليمن؛ لما تخندقت يوماً إلا في صفوفها… لكننا نعلم يقيناً ما تريده السعودية: إنها تريد يمناً على مزاجها، دميةً في يدها كالراكون، تشكلها كيف تشاء وتلعب بها متى تشاء!
أنت تموت لأجل هذه الأنظمة الظالمة التي تذهب بأموال النفط والمليارات لأعداء الأمة ليقتلوا بها شعوبنا، بينما يعطونك الفتات! فليس من يقاتل ليسترد باب المندب ليتحكم به السعودي شهيداً، بل هي ميتة في صف الباطل!
المشهد الثالث: مياه باب المندب لا تبتلع إلا الغزاة
(تشتد الإضاءة في الخندق، ويتقدم سالم نحو حافة المسرح، بينما يتجمع حوله المقاتلون والشباب، وينضم إليهم جندب وقد شدّ على ساعده بقطعة قماش وطنية).
سالم (بنبرة هادئة لكنها تخترق الصدور كالسيف):
أيها الأبطال، اسمعوها وعوها جيداً؛ إن الأوطان لا تُشترى بأسواق النخاسة، ولا تُقايض بحفنة ريالات مشبوهة مصدرها خزائن من استرخصوا دماء الأمة. إن من يقاتل لكي يضع مفتاح “باب المندب” ومياهنا الإقليمية في قبضة أجنبي حاقد أو عدو تاريخي، لا يمارس جهاداً، بل يرتكب أبشع جريمة خيانة بحق الأرض والتاريخ!
أحد المقاتلين (باستنكار):
ولكنهم يمنحوننا السلاح والمال يا سالم!
سالم (ساخراً ومتبسماً):
سلاح لقتل أخيك، ومال ليشتري به المحتل قرارك وثروتك وموقع بلدك الاستراتيجي! هل تعلمون ما هو باب المندب بالنسبة لهم؟ إنه ليس مجرد ممر بحري، إنه الشريان الذي يخشون أن ينبض بالاستقلال والسيادة اليمنية الحقيقية. إنهم يريدون لليمن أن يظل تابعاً، مكسور الظهر، عاجزاً عن حماية بحاره وثرواته، لكي ينفرد الأجنبي بالهيمنة على خطوط التجارة العالمية وجعل أمننا القومي ورقةً بيد دوائر المخابرات الغربية والخليجية.
جندب (رافعاً صوته بعزم وثبات):
كفى! لقد انقشعت الغشاوة وارتفع الغبار. لن يكون جندب اليوم ذلك الشاب الساذج الذي يبيع روحه في سوق رخيص. والله لو أن المعركة معركة دين وعقيدة وحماية عرض كما زعموا، لكنا أول من يخوض غمارها حتى آخر قطرة دم. أما أن نكون حطباً لحروب الآخرين، ومخالب قط لتنفيذ أجندات صهيونية وغربية في مياهنا وموانئنا.. فلتسقط كل شعاراتهم المزيفة!
سالم (مخاطباً الجمهور والجميع يداً بيد):
هنا تكمن الكرامة الحقيقية؛ الكرامة ليست في رصيد ببنك سعودي، ولا في فيلا بضاحية أجنبية، ولا في خطبة مدفوعة الثمن. الكرامة هي أن تراب هذا الوطن أطهر من أن يدنسه مرتزق، وأن بحار اليمن ومضائقه الاستراتيجية ستظل حرة أبية، يمتلك قرارها شعبها العظيم لا غازٍ متغطرس ولا تاجر دماء.
المشهد الرابع: وعي الضمير وحقيقة “مملكة القضم”
(تتسع مساحة الإضاءة لتضم جمعاً من المقاتلين والشباب الذين التفوا حول سالم يستمعون لحديثه).
سالم (مخاطباً الجميع بقلب صافٍ وضمير حي):
الناس تكبر بالتجارب، وأنا أصغر كلما تخلصت من الحقد، وابتعدت عن الارتزاق، وتحررت من عُقد الماضي. لا أحمل ضغينة لأحد، ولا أبيع قناعتي لأحد… قلبي نظيف، وضميري مرتاح، والقادم أجمل. سلامٌ لليمن، وسلامٌ لكل من اختار الكرامة عنواناً والسلام!
أحد الشباب:
ولكنهم يخدعون الناس بتاريخ مزيف وشرعيات واهية!
سالم (مبتسماً بتهكم وعمق تاريخي):
هكذا تأسست “مملكة القضم”! هل تعلمون كيف قامت؟ قامت على أنقاض ثلاث دول مستقلة وذات سيادة:
. إمارة آل رشيد في نجد وعاصمتها حائل (سقطت في عام 1921م بانقلاب دموي بدعم بريطاني).
. مملكة الحجاز وعاصمتها مكة المكرمة (سقطت في عام 1926م بغزو وتوجيه بريطاني).
. إمارة الأدارسة في أقصى شمال اليمن -نجران وجيزان وعسير- وعاصمتها صبيا (سقطت في عام 1934م بعد خرق الاتفاقيات وغزوها).
وعلى بحار من الدم وبرعاية بريطانية تأسست المملكة! والأغرب أن شهية سلطان نجد توقف انقضاضها عند حدود دول الخليج اليوم… وتدري لماذا؟ لأن تلك المشيخات كانت تحت الحماية البريطانية المباشرة، وهيهات للملك المؤسس أن يتجرأ على مساس خصوصيات التاج البريطاني الذي كان يدفع له عشرة آلاف ريال مرتباً شهرياً! ثم يخرجون اليوم ليحاربونا تحت يافطة “السيادة والشرعية”! فعلاً: اللي اختشوا ماتوا!
المشهد الخامس: خاتمة الملحمة ودرس التاريخ
(تتراجع الأضواء لتترك بقعة واضحة على سالم وهو يوجه كلامه مباشرة للجمهور بصوت مؤثر).
سالم:
قال الرئيس جمال عبد الناصر متحسراً ذات يوم بعد أن فرغ من قراءة كتاب (الحملة العثمانية على اليمن):
> “لو قرأت هذا الكتاب من قبل؛ لما أرسلت جندياً واحداً إلى اليمن”.
>
والآن… تخيلوا لو أن “محمد بن سلمان” اليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات من الهزيمة والتخبط والفشل في اليمن، أهدي إليه ذلك الكتاب وقرأه حرفاً حرفاً؛ هل كان سيشعر بما شعر به وقاله جمال عبد الناصر؟
لا أعتقد ذلك؛ فمحمد بن سلمان في عقله وتفكيره لا يمكن أن يرقى إلى مستوى عقل وحنكة عبد الناصر!
بل والأدهى، أن تجربة محمد بن سلمان في اليمن أصبحت اليوم كتاباً أوسع وأشمل من كتاب الحملة العثمانية، لدرجة أنه لو قُدّر لجمال عبد الناصر أن يعود ويتورط في اليمن مرة أخرى، لما أُهدي له سوى كتاب واحد:
“الحملة السعودية على اليمن”.
(يرفع الجميع رؤوسهم بشموخ، وتضاء المسرحية بإضاءة بيضاء ساطعة، وينزل الستار على هتاف جماعي هادئ وعميق وهادر):
> “حرائرنا أحرار، وبحارنا أطهار، وسلامٌ لليمن، وسلامٌ لكل من اختار الكرامة عنواناً والسلام!”
>